عود لينا يا ليل الفرح

صحيفة الهدف

أمجد السيد

لم يكن الخبر عادياً ولم يكن وقعه عابراً فبمجرد الإعلان عن عودة لجنة إزالة التمكين لمواصلة مهامها، انفتح في وجدان السودانيين بابٌ من الفرح المؤجل وارتفعت موجة من التعاضد الوطني كأنها استجابة فطرية لنداء قديم ظل عالقاً في الحناجر منذ لحظة الانكسار عاد الأمل لا كشعار، بل كإحساس حي يتجدد في القلوب. عاد لأن هذه اللجنة لم تكن يوماً مجرد كيان إداري، بل كانت رمزاً لإرادة شعب قرر أن يسترد دولته من قبضة الفساد، وأن يضع حداً لسنوات طويلة من التمكين، والمحسوبية ونهب الموارد العامة تحت مظلة سلطةٍ اختطفت الوطن وأفرغت مؤسساته من معناها.

في اللحظة ذاتها التي عمّ فيها الفرح، كان هناك معسكر آخر يعيش حالة نقيضة تماماً. ارتباك، قلق، هلع ظاهر لا تخطئه العين، المتأسلمون، ومن دار في فلكهم، وكل من اغتنى من عرق الشعب وموارده، شعروا بأن ساعة المساءلة تقترب من جديد. أولئك الذين ظنوا أن سنوات الفوضى والح.رب قد طمست الذاكرة وأن ملفات الفساد قد أُغلقت إلى الأبد وجدوا أنفسهم فجأة أمام حقيقة مُقلقة الثورة لم تمت، وإنما كانت تستجمع أنفاسها.

لقد كان التمكين مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل الدولة على أسس الولاء لا الكفاءة، وعلى شبكات المصالح لا سيادة القانون. ومن خلاله، تمددت ظواهر الرشوة، واستبيحت الموارد، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة فئة بعينها. ولذلك، فإن عودة لجنة إزالة التمكين ليست فقط عودة لآلية تفكيك، بل هي عودة لمعنى العدالة ذاته.

الأهم من ذلك، أن هذا الحدث أعاد توحيد وجدان السودانيين حول قضية جامعة. ففي زمن التشرذم والانقسام، جاءت هذه العودة كقاسم مشترك أعاد ترتيب الأولويات وذكّر الجميع بأن معركة استرداد الدولة لا تزال هي المعركة المركزية. لقد التقت مشاعر الناس، على اختلاف مواقعهم، عند نقطة واحدة  لا بد من إنهاء إرث التمكين، ولا بد من استعادةالسودان كدولة لجميع أبنائه.

إن الزخم الذي صاحب هذا الإعلان لا يمكن التقليل من شأنه، فهو بمثابة إعادة إشعال لشعلة الثورة، وإحياء لروحها التي حاول كثيرون إخمادها. وهو أيضاً رسالة واضحة بأن الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا يزال مفتوحاً، وأن أدوات تحقيقها، مهما تعثرت، قادرة على النهوض من جديد.

عود لينا يا ليل الفرح ليست مجرد عبارة، بل هي تعبير عن لحظة استعادة للثقة، وعودة للإيمان بأن هذاالشعب الذي أسقط أعتى الأنظمة، لا يمكن أن يُهزم بسهولة. وأن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم.

إنها لحظة فرح  لكنها أيضاً لحظة وعي. لحظة تعاضد  لكنها كذلك لحظة مواجهة فالمعركة لم تنتهِ بعد، لكن المؤكد أن نبضها عاد  أقوى، وأوضح، وأقرب للنصر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.