العيد ونهضة الروح: من الإيمان إلى التحرر

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليس عيد الفطر في جوهره لحظة زمنية تنقضي، ولا طقسًا دوريًا يتكرر في تقويم الأيام، بل هو انبثاق  معنى، وارتقاء في الوعي، وامتحان أخلاقي لقدرة الإنسان على أن ينتصر على ذاته قبل أن ينتصر على العالم. إن العيد، في أعمق دلالاته، ليس نهاية الصيام، بل بداية أخرى للإنسان، بداية يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الروح والجسد، بين الفرد والجماعة، بين الإنسان والتاريخ.

فالصيام، في فلسفته، ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو فعل تحرر داخلي، تمرين على كسر الضرورة، وإعلان أن الإنسان قادر على أن يسمو فوق حاجاته المباشرة، وأن يختار القيم بدل الغرائز. ومن هنا يأتي العيد بوصفه تتويجًا لهذا الانتصار، انتصار الإرادة على الاستهلاك، والمعنى على الفراغ، والروح على ثقل المادة.

لكن العيد، في الوجدان العربي والإسلامي، لا يقف عند حدود الفرد، بل يتجاوز إلى الجماعة. فهو لحظة تعود فيها الأمة العربية إلى ذاتها، لا بوصفها تجمعًا سكانيًا، بل بوصفها كيانًا أخلاقيًا يحمل رسالة في التاريخ. ففي صباح العيد، حين تتوحد الجموع في التكبير، لا يكون الصوت مجرد ترديد لشعيرة، بل إعلانًا رمزيًا لوحدة المصير، ووحدة القيم، ووحدة الأمل.

ومن هنا يمكن فهم المقولة العميقة: (العروبة جسدٌ روحُه الإسلام)، فالعروبة، في بعدها الثقافي والحضاري، تمثل الإطار التاريخي والثقافي الذي تشكّلت فيه اللغة والذاكرة والتجربة الإنسانية العربية، بينما يمنحها الإسلام بعدها الروحي والأخلاقي، ويضخ فيها المعنى الذي يجعلها أكثر من مجرد هوية، يجعلها رسالة خالدة.

إن هذه العلاقة ليست علاقة تبعية، بل علاقة تفاعل حيّ، حيث تتجسد القيم الإسلامية – من عدل ورحمة وتكافل وكرامة إنسانية – في الثقافة العربية، وتتحول من نصوص إلى ممارسات، ومن مبادئ إلى تاريخ حيّ. ولهذا لم تكن الحضارة العربية مجرد امتداد ديني، بل كانت تجربة إنسانية كبرى، أسهمت في تطور العلوم والفلسفة ونقل المعرفة إلى أوروبا، وكان لها دور محوري في تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. كما جعلت من المعرفة عبادة، ومن الإنسان قيمة، ومن العدالة أساس العمران.

وفي هذا السياق، يأتي عيد الفطر ليعيد تذكير الأمة العربية بجوهر رسالتها. فالعيد ليس فقط فرحًا، بل مسؤولية، ليس فقط احتفاءً، بل مراجعة. إنه يسأل الإنسان: ماذا فعلت بروحك التي صقلها الصيام؟ وماذا ستفعل بالقيم التي استيقظت فيك؟ وهل ستبقى تلك القيم حبيسة الشهر، أم ستتحول إلى سلوك دائم في الحياة؟ وحين نوسع دائرة السؤال، يصبح العيد سؤالًا للأمة العربية كلها: كيف يمكن لأمةٍ تحمل في تراثها هذه القيم الكبرى أن تعيش في واقعٍ يضج بالانقسام والظلم والتبعية؟ وكيف يمكن للروح التي تتجلى في رمضان أن تتحول إلى قوة تاريخية قادرة على تغيير الواقع؟

غير أن العيد، وهو يحمل هذا الصفاء الروحي، يمرّ على الإنسان العربي مثقلاً بأسئلة الواقع الجارح، فالأمة العربية التي تتوحد في التكبير، تتشظى في جغرافيتها تحت وطأة الاحتلال والاحتراب والتفكك. في العراق، حيث لم تبرأ الأرض من آثار الغزو والهيمنة، وفي الأحواز العربية التي تُستنزف هويتها تحت ثقل الإقصاء، وفي السودان الذي أنهكته ح.ربٌ تمزّق جسده الوطني، كما في ليبيا ولبنان واليمن وسوريا، حيث تتنازع الدولةَ أزماتُ الشرعية والانقسام والتدخلات الخارجية، يبدو العيد كأنه لحظة مفارقة مؤلمة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. ومع ذلك، فإن هذه المآسي لا تُفرغ العيد من معناه، بل تمنحه بعدًا أكثر عمقًا؛ إذ يتحول الفرح فيه إلى فعل مقاومة، والرجاء إلى موقف تاريخي، والإيمان إلى طاقةٍ كامنة تُذكّر الأمة العربية بأن انكساراتها ليست قدرًا نهائيًا، بل طورًا عابرًا في مسار نهوضها، وأن الروح التي تتجدد في العيد قادرة، إذا ما وُصلت بالفعل، على إعادة وصل ما انقطع في الجسد العربي، واستعادة المعنى الذي من أجله وُجدت الأمة: الحرية، والوحدة، والكرامة.

هنا يلتقي العيد مع المشروع القومي التحرري. فالقيم التي يرسخها الصيام – من صبر وتضحية وتكافل وعدالة – ليست مجرد فضائل فردية، بل هي في جوهرها شروط لأي نهضة تاريخية. فالأمم لا تتحرر فقط بالسلاح أو السياسة، بل تتحرر حين تمتلك وعيًا أخلاقيًا يجعلها قادرة على التضحية من أجل مستقبلها.

ومن هذا المنظور، فإن العيد يصبح لحظة استعادة للمعنى التحرري الكامن في وجدان الأمة العربية. إنه يذكّرها بأن الحرية ليست شعارًا، بل التزامًا، وأن العدالة ليست مطلبًا، بل ممارسة، وأن الكرامة ليست حلمًا، بل حقًّا يُنتزع بالفعل الجماعي.

ولعل هذا المعنى يتجلى بأوضح صوره في فلسطين المحتلة، حيث يتحول العيد من مناسبة للفرح إلى فعل صمود. هناك، حيث تُحاصر الحياة، يصبح التكبير فعل مقاومة، ويصبح الفرح نفسه شكلًا من أشكال التحدي. إن الفلسطيني، حين يحتفل بالعيد تحت القصف أو الحصار، لا يحتفل فقط بمرور الزمن، بل يعلن تمسكه بالحياة، ورفضه أن يتحول إلى مجرد رقم في معادلة القوة. وهكذا تتجسد القيم التي يحملها العيد في صورتها الأصفى: الصبر، الثبات، التضحية، والإيمان بأن الحق لا يُقهر مهما طال الزمن. وهنا تلتقي الروح الدينية بالبعد القومي، وتلتقي العبادة بالفعل التاريخي، ليصبح العيد ليس فقط ذكرى دينية، بل لحظة وعي حضاري.

إن الحضارة العربية، في أوج ازدهارها، لم تكن حضارة طقوس، بل حضارة معنى. لقد استطاعت أن تحول الإيمان إلى علم، واللغة إلى أداة معرفة، والمجتمع إلى فضاء للتكافل والإبداع. واليوم، حين نعيش لحظة تاريخية تتسم بالتحديات، يصبح استحضار هذه التجربة ليس نوعًا من الحنين، بل ضرورة لإعادة بناء الحاضر. فالعيد، في أحد أبعاده العميقة، هو استدعاء لهذا الإرث، وتذكير بأن الأمة التي استطاعت أن تبني حضارة عالمية قادرة، إذا استعادت وعيها، على أن تساهم من جديد في تشكيل مستقبل الإنسانية.

وإذا كان العيد في ظاهره فرحًا جماعيًا، فإنه في جوهره امتحانٌ لقدرة الأمة العربية على تحويل القيم إلى أفعال، والروح إلى تاريخ. فالأعياد لا تغيّر مصائر الشعوب بذاتها، لكنها تكشف عن استعدادها للتغيير؛ إذ لا معنى لفرحٍ لا يعقبه وعي، ولا لقيمٍ لا تتحول إلى نظمٍ ومؤسسات، ولا لإيمانٍ لا يترجم إلى عدالةٍ في الأرض. من هنا، فإن العيد الحقيقي ليس ما نعيشه في يومٍ واحد، بل ما نبنيه فيما بعده، هو ذلك الانتقال الصعب من لحظة الصفاء إلى مشروع النهضة، ومن الإحساس بالوحدة إلى تحقيقها، ومن استحضار القيم إلى تجسيدها في الدولة والمجتمع. وفي هذا المعنى، يصبح كل عيدٍ سؤالًا مفتوحًا في ضمير الأمة: هل نحن قادرون على أن نحيا كما نؤمن؟ أم نظل نؤمن كما لا نحيا؟

وفي النهاية، يبقى عيد الفطر أكثر من مناسبة، إنه وعد. وعد بأن الإنسان قادر على أن يكون أفضل، وأن الأمة قادرة على أن تنهض، وأن التاريخ، مهما تعثّر، يظل مفتوحًا على إمكانات جديدة.

إنه لحظة يقول فيها الإنسان لنفسه ولأمته:

لقد انتصرنا على الجوع، فهل ننتصر على الظلم؟

لقد روّضنا الجسد، فهل نحرر الإرادة؟

لقد ذقنا معنى الصفاء، فهل نبني به عالمًا أكثر عدلًا؟

هكذا يصبح العيد، في معناه الأعمق، ليس نهاية عبادة، بل بداية طريق، طريقٍ تمضي فيه الأمة العربية، وهي تحمل في قلبها يقينًا بأن الروح التي صامت قادرة على أن تصنع التاريخ. فالروح التي تنتصر في داخل الإنسان، هي وحدها القادرة على أن تنتصر في التاريخ.

🌹🌹وعيدكم مبارك وسعيد 🌹🌹

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.