حماد يونس كوكو
تبدو الكتابة من مدينة “الدلنج “ترفًا، في ظل الحصار المطبق علينا والموت الذي يلوح في أفق المدينة عند كل دقيقة وساعة عبر إطلاقات المدافع والمسيرات الانتحارية والاستراتيجية التي تحصد الأرواح بوتيرة متصاعدة كل يوم.وفي ظل ظروف انقطاع الشبكة وانقطاعنا بالتالي عن إمكانية مواكبة الأحداث بانتظام .
اطّلعت في لحظة ما من لحظات انفراج الشبكة، على مقالين أحدهما للأستاذة رشا عوض وهي” تستكثر” على الأستاذ على الريح السنهوري ترشحه وفوزه أمينًا عامًا لحزب البعث العربي الاشتراكي، لا لسبب إلا لأنه “سوداني” ورَدْ الأستاذ محمد ضياء الدين عضو قيادة قطر السودان لمقالها.وردود أخرى جرت كلها في مجرى ما تناوله الأستاذ ضياء، خلاصته أن القيادة في البعث استحقاق نضالي وليس أي أمر آخر.
سأتفق مع الأستاذ ضياء والآخرين في إطار ما دفعوا به من مرافعة سياسية، فكرية ونضالية في هذا الخصوص. ولكني سأذهب بعيدًا بعض الشيء محلقًا في أبعاد أخرى بعضها “ذاتي “تلامس موضوعية الطرح المتناول، والبعض الآخر “موضوعي” تلامس ذاتية التجربة. تجربتي الشخصية..وفي هذا يبدو لي أن القراءة “الفلسفية “هي الأجدر على تأطير ما أرغب الخوض فيه.
سأحاول ما وسعتني الحيلة أن أتناول تشريح المقال وما جاء فيه من ردود إلى ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول سأتناول تشريح زاوية النظر في مقال الأستاذة رشا عوض وفي الجزء الثاني أتناول تنظيم البعث “الحلم والفكرة ” وفي الجزء الثالث أتناول البعث وتجربتي الذاتية.
الجزء الأول:
زاوية نظر
على الرغم من إشارات الأستاذ محمد ضياءالدين اللطيفة في رده على الأستاذة رشاعوض وهو “الغضوب” حين يُمَس الحزب، يشير إلى أن هناك صلة ما حسب إشارات “ضياء” كان من المفترض أن تضاعف من مسوؤلية الكاتبة في أن تتخير الموضوعية منهجًا للحديث أو الكتابة عن حزب البعث العربي الاشتراكي وأمينه العام المنتخب الأستاذ علي الريح السنهوري، بحكم معرفتها بأدبيات الحزب بالإضافة لانتساب زوجها للحزب. وقد استعمل في لطافته عبارات من مثل “من حيث لا تقصد الكاتبة وأن رده ليس بدافع الجدل أو الخصومة فقط لتوضيح ما التبس”
ولكن وضح لي من خلال ما كتبته الأستاذة رشا عوض استهوانها بشأن استحقاق الأستاذ السنهوري لقيادةالحزب في هذا المنعطف التاريخي أنها قصدت ما كتبت. وأن مقالها يشي بأمرين لا ثالث لهما:إما أنه مجرد حسادة ومماحكة سياسية كما هو سائد على سطح الحالة السودانية الآن. أو أنه جهل واختزال لتنظيم بحجم حزب البعث العربي الاشتراكي وما يعنيه أن يكون الأستاذ علي الريح أمينه العام بعد القادة المناضلين: الراحل المؤسس ميشيل عفلق “سوريا “والقائد الشهيد صدام حسين”العراق” والراحل المناضل عزة الدوري “العراق” والأستاذ علي السنهوري”السودان”..فإذا كانت الأساتذة تعني قصدًا “استبعاديًا” لمفهوم “الأمة “بمفهومه القومي بالإشارة للدلالة القطرية”سودانيًا”. فإن التاريخ يخبرنا أن هذا التعريف لم يتزعزع حتى في أشد لحظات الأمة اختلافًا وتضعضعًا. فلقد أعترفت الأمة في مسارها التاريخي بالانتماءات المحلية والعرقية والقبلية ولم يلغها إلغاءً كاملًا، بل جعلها تعريفًا وهوية ثانوية أو صغرى تابعة للانتماء للأمة لذلك وجد ألقاب مثل “الأندلسي، البغدادي، القرشي، ،”تلك الألقاب أشارت إلى تعريف يأتي في مرتبة تالية للهوية العامة غض النظر عن الجهة أو الدين أو الانتماء الاجتماعي الخ.فكون الأستاذ السنهوري”سودانيًا”لا يخرجه من انتمائه للأمة…. إن هذا الجهل والاختزال اللذين هيمنا على كثير من مفاصل حركتنا الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية وطبعت مسيرتها قبل خروج المستعمر وبعده. تبرز إلى السطح بين الحين والآخر في شكل مواقف وآراء مكتوبة وايحاءات شفهية تكشف عن اختلال بنيوي في العقول المسيّرة للأحداث في ظروف مختلفة ولكن في الاتجاهات ذاتها ” التسلط والعنجهية والإقصاء والتشكيك الخ… حتى تكاد تكون “مدرسة “هوياتية تبنتها نخب يفترض أنها وبما تدعيه من معرفة أنها نخب مستنيرة، ولكنها في كل مرة يطفون على سطح ظاهرة ما للتعبير عن نزعات بغيضة بدرجات وقسمات متدرجة من شديدة مقززة إلى خفيفة ناعمة وبائسة لكنها مؤذية.
لا أدري من أي مستوى دلالي انطلقت الكاتبة لتمنح الأستاذ السنهوري صفة “سودانيًا “وهي تدري أنَّ كونك “سوداني “نفسه يمر بدرجة عالية من التشظي الداخلي والتفكك في مسرح من يسوقونه إلى العدم في سوق صراع الهويات المبتدعة والمتنازعة والمفتعلة أحيانًا، ما بين إفريكانيزمية وإسلامو عروبية وأفروعروبية وسودانوية وتنوعية ومركز /هامش، انتهاء بمقولات “الشعوب الأصيلة” “وعرب الشتات” و”أفارقة الشتات “والوجوه الغريبة الخ.. التي تنزع من الوطن لحمته وإمكانية تعزيز وحدته الوطنية دعك من انتمائه القومي الذي يسعى الحزب إلى تأكيده عبر نضاله الدؤوب منذ لحظة تأسيسه في المشرق العربي كما ذكرت الكاتبة.. من فضاء الإنسانية الأوسع إلى واقع الوطنية الرحب عبر مشروع قومي تحرري مستنير على أساس ان القومية الحقة هي الوطنية الحقة.كان من المؤمل وفق حسن نية الأستاذ محمد ضياء، التي لم تراعه الأستاذة رشا وذهبت في انتقائية وقفزات مقصودة “ملتبسة، نسفت بها تلك العروة. إذ تبدو الكاتبة في مقالها أنها أقرب إلى مدرسة الأستاذ “باقر العفيف ” في نظرته لعروبة السودان..تقول رشا عوض في فقرة من مقالها “عندما ينتخب العرب “سودانيًا” لمنصب سياسي في مؤسسة عربية عابرة
للحدود كحزب البعث العربي الاشتراكي، فهذا مؤشر بأنهم في حالة يأس لا شعوري من جدوى هذه المؤسسة وفاعليتها وتأثيرها، فالسودان في المخيلة العربية بلد هامشي، لا يسمح له بالقيادة ولا يعترف له بحضور أصيل في النادي العربي إلا في أوقات استثنائية مأزومة يكون فيها أعضاء النادي الأصليين على خلاف مثلما حدث في قمة 1967م بعد النكسة، أو عندما يكونون في حالة يأس أو زهد في مشروع أو مؤسسة” هنا تلتقي الأستاذة رشا مع “العفيف” الذي يستعرض في بعض كتاباته موضوع “الوعي المحرج بالهامشية “وتأثيره على النفسية السودانية والشمالية بالتحديد في المسلك السياسي للطبقة الحاكمة..فهو يرى أن “أول القرارات اتخذتها الطبقة الحاكمة الشمالية بعد الاستقلال هو الانضمام للجامعة العربية مباشرة بعد الاستقلال ولأنها كانت واعية بموقعها على هامش العالم العربي، رضيت هذه الحكومة بدور متواضع، ولم تتخذ موقعًا منحازًا في الصراعات العربية الداخلية سواء مع الراديكاليين أو المحافظين..ومثله مثل أي كيان هامشي يكاد السودان أن يُنسى تمامًا في أوقات الهدوء والانسجام..ويعلمنا التاريخ بأنه فقط في أوقات الاضطرابات المصاحبة للح.روب، التي تهز بعنف وتمزق النسيج الاجتماعي، يمكن للنساء و”العبيد” كفئات مهمشة أن ينعموا باعتراف المركز..وعلى ذات النمط فقط عندما كان العرب في قمة الشعور بالإهانة والإحباط نتيجة الهزيمة الساحقة التي ألحقتهم بها “اسرائيل”1967م، تذكروا السودان وأدنوه من المركز وسمحوا له أن يلعب دورًا حيويًا داخل الجامعة العربية.
وفي هذا يمكن القول تأثر ما رشح به قلم الأستاذة ضمنًا حول “، أهلية” الأستاذ السنهوري لقيادة الحزب على مستواه القومي بحكم أنه” سوداني” بالتصور الهرمي الرأسمالي لفكرة “الصعود “الذي يرتب مراتب الناس من أعلى إلى أدنى، وهو تصور موروث من نظرية “الفيض “. الذي يرتب الكون والناس وفقًا لمراتب الشرف والكمال لا العطاء والنضال. وهو التصور الذي دفع بأصحاب “سفر الولاء ” إبان الاحتلال البريطاني للسودان، إدانة أول مظاهرة سياسية حديثة في تاريخ السودان.اذ تفيد الروايات أن علي عبداللطيف ألقى خطابًا جماهيريًا مثيرًا على الجماهير الغفيرة التي تجمعت خارج مركز أم درمان يوم محاكمة حاج الشيخ عمر الذي هتف “تحيا مصر “..أدانت تلك المجموعة المظاهرة بالقول “أن البلاد قد أُهينت لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها، دون أن يكون لهم مركز في المجتمع، وأن الزوبعة التي أثارها الدهماء قد ازعجت طبقة التجار والعمال. وذهبت إلى دعوة جميع المناضلين الحقيقيين أن يستأصلوا شأفة أولاد الشوارع الموالين لمصر للقضاء على تطلعاتهم الكاذبة حتى لا يصبحوا أبطالًا وطنيين..وأن الأمة وضيعة، إن كان يقودها شخص مثل علي عبداللطيف. ذلك أن الشعب ينقسم إلى قبائل وبطون وعشائر ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ وهؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد..ويتساءلون:من هو علي عبداللطيف الذي أصبح مشهورًا حديثًا وإلى أي قبيلة ينتسب؟وهم أنفسهم وفي مرحلة ما عندما قررت ال السلطة الاستعمارية الإنجليزية وقف تجارة الرقيق ومنح وثائق الحرية للأرقاء، سموا أنفسهم “كرام المواطنين ” وطلبوا من الحكومة البريطانية بعدم منح وثيقة الحرية للأرقاء بحجة انهم لا يصلحون لأي عمل، لأن أرقاء السودان في ذلك الوقت حسب زعمهم ليسوا “عبيدًا “بالمعنى الذي يفهمه القانون الدولي. وهي نفس العقلية التي قادت الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في الثمانينيات أن يتساءل غاضبًا ومندهشًا من شاشة تلفزيون الدولة عن “ماذا يفعل البعثيون في جبال النوبة؟”وذلك إبان المواجهة المحتدمة التي كان يقودها البعثيون ضد النظام في ذلك الوقت في جنوب كردفان وهي العقلية ذاتها التي تنمرت على أحد أعضاء قيادة حزب البعث وقيادة الدولة بعد ثورة ديسمبر 2018 المجيدة
وتحولاتها المثيرة لأنه ” نوبايًا” من جنوب كردفان.
وفي فقرة أخرى تقول الأستاذة رشا عوض “القومية العربية في السودان تشكل عقبة في توحيد السودانيين، ببساطة لأن الانقسام في السودان محوره هيمنة العنصر العربي أو المستعرب على السلطة والثروة وتهميش غير العرب..فهل يعقل أن يأتي حزب يسمي السودان “قطر السودان” وتكون قيادته تابعة لقيادة قومية عربية في بغداد أو دمشق ويجعل من القومية العربية هوية سياسية تهدف لدمج السودان في كيان عربي عابر للحدود في الوقت الذي يشتعل فيه السودان حربًا في شماله وجنوبه وغربه ومن أهم أسباب الح.رب الاحتجاج على التهميش السياسي والاقتصادي لأسباب عرقية …هذا سؤال يحتاج إلى إجابة؟؟… ولأن الكلام له بعد أخلاقي في بعض جوانبه كماذكر ضياءفي رده.أقول أعتقد أن الأستاذة كانت لا تستطيع أن تجرؤ على هذا السؤال لو قرأت وتقرأ التاريخ وأحداثه بجدية ولتريثت لتعرف من هو الطرف أو الأطراف التي أشعلت “الحروب في السودان “وجبال النوبة التي أنا منها تحديدًا، فمجموعات قريش 1 وقريش 2, التي خلقت أزمة الح. رب في جبال النوبة لم تكن من منظمات حزب البعث العربي الاشتراكي التي تأذت عضويتها من أبناء الجبال من ذلك التوجه، مما دفع بآخرين على تكوين تنظيم ما عرف لاحقًا ب”كومولو”نتيجة كرد فعل تلك المجموعات التي أتمنى على الأستاذة البحث عن مصدرها وتمويلها وما ارتكبته من فظائع. وقتها كان حزب البعث العربي ومنظمته في جنوب كردفان تصدر البيانات التي كانت تدين تلك التوجهات البغيضة من ” العنصر العربي أو المستعرب” كما سمتهم الأستاذة وترفع تقاريرها لقيادتها القطرية ووفق مرئياتها لأن “بغداد وكادوقلي، والكرمك وقيسان ” كانتا سيان في فكر ونضال حزب البعث لأنه يؤمن بوحدة هذا الشعب. أما حديث الكاتبة من هنا وهناك عن القياديين المحترمين رحمة الله عليهما”جادين والصاوي “فقد أديا دورهما في الحزب، ولولا مساهماتهما ضمن أطره لما عرفا، و الراحل “جادين “الذي أشرت إليه لشيء في نفسك هو من كلفه الحزب بجمع وإعداد وثائق وتحليلات الحزب في وثيقة “البعث وقضايا النضال الوطني “وكان رمزًا قياديًا معتبرًا بقى في الحزب وفق النظام الداخلي وخرج منه عندما تصادم مع ذلك النظام الذي لا يقدس الشخوص بل يثبت سير المؤمنين بمبادئ الحزب ولوائحه وهذا شأن داخلي بالضرورةلاأعتقدأنه يعني الكاتبةفي شيء.
أما وصفها للأستاذ السنهوري بأنه من “الحرس القديم “لأنه يترحم على روح الشهيد صدام حسين في كل مناسبة . لا أعتقد أنه يليق أو يصدر من كاتب، والعين في المنتهي لا تعلو علي الحاجب!
وهنا أختم الجزء الأول بسؤال الأستاذة رشا:ما معنى أن تكون بعثيًا في السودان؟بسؤال من عندي:مارأي الأستاذة رشا عوض لو أُنتخب أحد أبناء جبال النوبة أو الانقسنا أو المحس، وهم كثر من أعضاء قيادة قطر السودان عضوًا في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي؟
ونواصل
—————————————
المصادر
1-د.احمد الياس، السودان الوعي بالذات ص 20
2-وجوه خلف الحرب، الباقر العفيف، الخاتم عدلان 2007
3-موقفنا من التراث القديم، حسن حنفي، دار التنوير لبنان .1981الطبعة الأولى
4-تاريخ الحركة الوطنية، بروفسير محمد عمر بشير
5-ارشيف جمهورية السودان، ملف رقم705

Leave a Reply