حمد الرَّيح.. “إزميل” الصوت وهندسة الوجود السوداني

صحيفة الهدف

عادل أحمد محمد

في تاريخ الفنون نادرًا ما نجد فنانًا يتحوّل صوته إلى “مختبر فلسفي” يعيد صياغة الهوية؛ لكن الراحل حمد الرَّيح لم يكن مجرد مغنٍّ يطرب الآذان، بل كان “نحّاتًا وجدانيًا” استطاع بصوته أن يجسد صراع الإنسان السوداني بين “الأبنوس” و”المرمر”، وبين الإيقاع الخماسي الفطري والبناء السباعي الحداثي.
فلسفة “الصوت المثقَّف”: الاقتحام لا التقليد
تقوم تجربة حمد الرَّيح على ما يمكن تسميته فلسفة الاقتحام المعرفي. فهو لم ينتظر النصوص السهلة، بل ذهب إلى وعورة الشعر عند صلاح أحمد إبراهيم وعمر الطيب الدوش. في أدائه لا يكتفي الصوت بالرنين، بل يمارس نوعًا من تفكيك النص وإعادة بنائه وجدانيًا.
حين يغني (مريّة) لا يصف جمالًا عابرًا، بل يجسّد صراع الأنا الإفريقية أمام المركزية الغربية. يتحوّل صوته من همس رخامي في وصف ملامح مريّة، إلى زئير استوائي حين يعلن انتماءه للصحراء الكبرى. هذه الدراما الصوتية هي التي جعلت الفلسفة تمشي بين الناس نغمًا مستساغًا.
التمرُّد اللحني: “الخلطة المفرودة” بين الخماسي والسباعي
تتجلى عبقرية حمد الرَّيح في ذكائه الموسيقي الذي تجرأ على كسر القوالب الرتيبة. بالتعاون مع المبدع ناجي القدسي، قدّم نموذجًا فريدًا لما يمكن تسميته التهجين الثقافي.
في أغنية “الساقية” لم يكن اللحن مجرد تطريب، بل كان تصويرًا وجوديًا لدوران الحياة ومعاناة الإنسان. الجرأة هنا تكمن في قبول الروح السباعية ذات الجذور اليمانية “عبر ناجي القدسي” ودمجها في الحنجرة السودانية الخماسية. هذا التزاوج أنتج لحنًا منفردًا؛ لحنًا يمتلك شجن اليمن وعنفوان السودان، مما جعل الأغنية تخرج من محلّيتها لتصبح نشيدًا إنسانيًا أوسع.
“سيمياء” الحضور: الفنان كجسر حضاري
فلسفيًا مثّل حمد الرَّيح الجسر الواصل بين مدرسة الغابة والصحراء وبين الوجدان الشعبي. فقد استطاع أن يؤنسن الرموز والأساطير ويجعلها قريبة من الحس العام. أسماء مثل فدياس وباخوس وهيلين لم تعد بعيدة حين تمر عبر حنجرته، بل صارت مفردات يتذوقها المستمع بلسان سوداني مبين.
لم يكن أداؤه تسلية عابرة، بل كان إثبات وجود. في كل نبرة من صوته تأكيد على أن الإنسان السوداني ذو البشرة السمراء يمتلك رهافة المرمر وصلابة الأبنوس معًا. لقد حطّم حمد الرَّيح القناع الذي حاول العالم وضعه على وجه المبدع السوداني، ليظهر الوجه الحقيقي: وجه المثقّف العضوي الذي يغني بقلبه وعقله معًا.
الخاتمة: التوقيع بالنار
إن حمد الرَّيح لم يرحل، بل ترك “توقيعه بالنار” كما تمنى صلاح أحمد إبراهيم، في شفّة التاريخ الفني. ستظل تجربته نموذجًا للحداثة الأصيلة؛ تلك التي لا تنسلخ من جذورها الأرضية، لكنها تحلّق بأجنحة كونية.
لقد كان حمد الرَّيح، بحق، إزميل فدياس الذي لم ينحت الحجر، بل نحت الخلود في وجدان الشعب السوداني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.