الهدف: د.جمال الجاك
في الوقت الذي تنشغل فيه المدافع بالناس في الخرطوم والفاشر، تدور حربٌ أخرى “صامتة” في أروقة المنافي ودول الجوار. آلاف الشباب السودانيين الذين نجوا من الموت بالرصاص يواجهون اليوم شبح الموت “بالوصمة والجهل”. ومع كثرة الحديث “غير الرسمي” عن زيادة إصابات فيروس نقص المناعة المكتسب (HIV) وسط اللاجئين، يبرز السؤال الصعب: هل سنستقبل جيل العودة بنعوش “الإيدز” بدل أن نستقبلهم بسواعد تبني البلد؟
انفجار “فقاعة” المحافظة: صدمة الواقع الجديد.
يرى مختصون اجتماعيون أن الشاب السوداني انتقل فجأة من بيئة “مغلقة ورقابياً” إلى مجتمعات أكثر انفتاحًا في أديس أبابا، وكمبالا، والقاهرة، وهو تحت ضغط نفسي رهيب بسبب “تروما” الحرب ووجع الفراق.
يقول (م. أ)، وهو متطوّع في مركز صحي في دولة جارة: “الشباب هاربون من جحيم الذكريات إلى الكحول والعلاقات العابرة كنوع من التخدير النفسي. غياب الأسرة وغياب الهدف المباشر جعلا كثيرين لقمة سائغة للممارسات غير المحمية”.
لغة الأرقام: جرس إنذار أم كارثة وقعت بالفعل؟
صحيح أن الأرقام الآن ليست دقيقة بسبب ظروف الحرب، لكن تقارير المنظمات الدولية قبل الحرب وبعدها تعطي مؤشرات مقلقة:
– بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO): تشير إلى أن السودان كان يعاني أصلًا من فجوة في الفحص والعلاج؛ إذ إن نحو 30% فقط من المصابين كانوا على علم بحالتهم الصحية قبل الحرب.
– برنامج الأمم المتحدة المشترك (UNAIDS): حذّر في 2024 من أن النزوح في شرق إفريقيا يزيد تعرض النساء والشباب للعنف الجنسي واستغلال الحاجة، وهو ما يرفع احتمالية الإصابة ثلاثة أضعاف في مناطق الأزمات.
– الواقع الميداني: في دول اللجوء، هناك تقديرات غير رسمية لجمعيات طبية سودانية تشير إلى وجود حالات إصابة “متسارعة” وسط الشباب (من 18 إلى 35 سنة)، في ظل غياب شبه تام لبرامج توعية موجهة للسودانيين بلهجتهم.
الخطر الأكبر: “الوصمة” تقتل أكثر من الفيروس.
في ثقافتنا السودانية ما يزال “الإيدز” مرتبطًا في الأذهان بالخطيئة، وهذا هو القاتل الحقيقي. الحقيقة العلمية تقول إن الشخص المصاب إذا التزم بالعلاج بانتظام يصل إلى مرحلة (الحمل الفيروسي غير المقروء)، ما يعني أنه لا ينقل العدوى نهائيًا ويمكنه أن يعيش حياة طبيعية.
لكن، ووفق ما يُنقل من أرض الواقع، يفضّل بعض الشباب الصمت حتى الموت على أن يعرف أحد بإصابتهم، خوفًا من الطرد من “بيت العزابة” أو النبذ من المجتمع الصغير في الغربة.
طرق الانتقال: يجب تصحيح المفاهيم.
لنكن صريحين؛ هذا الفيروس لا يفرّق بين “متدين” و”عاصٍ”، خاصة عندما يتعلق الأمر باستخدام أدوات حلاقة ملوثة أو في حالات الاعتداء الجنسي الكثيرة التي حدثت لأشخاص أثناء هروبهم من مناطق القتال.
ملاحظة طبية مهمة: السلام باليد، والأكل المشترك، والسكن في بيت واحد “لا تنقل العدوى”. عدونا هو الفيروس، لا المريض.
روشتة النجاة: قبل أن ينهار جيل المستقبل.
حماية ما تبقى من السودان تحتاج إلى تحرك سريع عبر الخطوات التالية:
– الفحص الطوعي: يجب أن يصبح “فحص الدم” ثقافة دورية لا تهمة، خاصة في مراكز اللجوء.
– الدعم النفسي: معالجة آثار الحرب هي المفتاح لوقف السلوكيات الهروبية الخطرة.
– دور المبادرات: غرف الطوارئ ومنظمات المجتمع المدني في الخارج يجب أن تجعل “التوعية الصحية” أولوية مثلها مثل توفير الطعام والشراب.
خاتمة: هل نحن مستعدون؟
هذه الحرب ستتوقف يومًا ما، وسيعود الناس لإعمار الخراب. لكن إن لم نواجه “خريف الغربة” بوعي وجرأة، فقد نجد أنفسنا أمام وطن بلا شباب، أو شباب ينهكهم المرض في صمت.
الوعي اليوم ليس رفاهية؛ الوعي هو طوق النجاة الأخير.

Leave a Reply