محمد عثمان تراث
ما الوطن (يا صفيّة)؟
لا أعتقد أنه المساحة المصلوبة على طاولات الجنرالات،
ولا الخرائط التي يتقاسمها هؤلاء السماسرة.
الوطن..
أعتقد، غالبًا..
رائحة الخبيز في فرن أمي،
ضجيج ملاعق إخوتي في كبابي الشاي باللبن في الثالثة صباحًا،
وظلُّ أبي لألتجئ إليه حين أستيقظ من كابوسٍ فزعًا.
في الميناء البري..
كمسنجية
يبيعون لي تذاكر (العودة)،
هههه!
وكأن الأمس يمكن استرداده من جيوب القتلة!
وأنا أعلم جيدًا
أنني حين عانقتُ وجه المدينة،
لفظتني غضبًا، وألقت بي في غياهب جُبِّ الغربة.
فالمدينة (العروس) رفضت أن تقابلني بوجهٍ،
فيه الشوارع أضرحةً،
والبيوت توابيت مفتوحةً للروح (ضلفتين).
لم يتركوا لي جدارًا هناك لأسند ظهري إليه،
فقد تشتت دمي.. حتى تخثرت بقعةٌ في شمال العالم،
وبقيتُ أنا،
قربانًا لآلهة الكجور، في جنوب العالم الموحش.
كأنبياء العهد القديم..
أغضب وأتذمر من السماء،
ألعن هذه الكواكب التي تدور لتسحقنا،
وهذا التاريخ (الشيخ) الأعمى الذي يقودنا،
بلا عكازٍ أو دليل، نحو المزيد من السقوط.
أتسمّر وحشة الجدران، ويرهبني زحام الخارج.
أدور في ساقية الأيام،
أبيع نبضي للشاشات،
وأشتري بقائي براتبٍ لا يشتري وطنًا..
والسؤال..
كيف يزرع المرء نخلةً في صالة انتظار؟
وكيف يقيم عرسًا على أنقاض القيامة؟
لملمت أفراحي وخبأتها في حقيبة السفر..
أوقفتُ ساعتي،
فأنا أرفض أن أُزفَّ إلى امرأة،
ما لم تشق زغرودة أمي حنجرة الغياب.

Leave a Reply