حمد الريح والشعراء الثوريون

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

لم تكن علاقة الفنان حمد الريح بالشعراء الثوريين مجرد تعاون فني عابر، بل كانت شراكة وجودية في المعاناة والأمل. فقد كان الفنان حمد الريح صوتًا للمهمشين والمكافحين، وحمل هموم وطنه عبر قصائد الشعراء الذين تحدّثوا باسم الشعب والأمة.
كانت علاقة الفنان حمد الريح بالشاعر عمر الطيب الدوش (الشاعر الفيلسوف الثائر) هي النموذج الأكثر وضوحًا وعمقًا في العلاقة بين حمد الريح والشعراء الثوريين. فالدوش، الذي وُصف بأنه “أجّج النضال في قلوب شباب الثمانينيات من خلال القصائد التي تعبّر عن روح الطبقة العاملة الكادحة”، وجد في حمد الريح الصوت الأمثل لتوصيل رسالته.
كانت قصيدة (الساقية لسة مدورة) قمة هذا التعاون. فعندما غنّاها حمد الريح في سهرة تلفزيونية، تحوّلت إلى أيقونة نضالية، إلى درجة أنها مُنعت عرضها من جميع الأجهزة الإعلامية في عهد نميري.
كان حمد الريح الجسر الذي عبرت عليه كلمات الدوش من الورق إلى وجدان الجماهير. وكان الدوش الضمير الثوري الذي زوّد حمد الريح بنصوص تتحدث باسم البسطاء والمقهورين.
ورغم أن الدوش نفى لاحقًا انتماءه السياسي لحماية نفسه، وقال إن القصيدة “تحكي حياته عندما كان طفلًا في شندي”، إلا أن الجماهير أدركت المغزى، وكان حمد الريح شريكًا أصيلًا في هذه المغامرة النضالية.
بعد ذلك امتد التواصل وازداد العطاء، فتعاون الفنان حمد الريح مع الشاعر صلاح أحمد إبراهيم، أحد عمالقة الشعر السوداني. وكانت باكورة هذا التعاون أغنية (يا مريّة) التي تمثّل جانبًا آخر من علاقته بالشعراء ذوي التوجه الثوري.
لم يكن صلاح أحمد إبراهيم شاعرًا عاديًا، بل كان مثقفًا عضويًا يعبر عن آمال الأمة. واختيار حمد الريح لهذه القصيدة، التي تحمل أبعادًا إنسانية وجمالية عميقة، يؤكد مشروعه الفني الذي يبحث عن الكلمة الراقية ذات البعد الإنساني والوطني.
واستمر تعاون الفنان حمد الريح مع عدد من الشعراء ضمن مشروعه الفني الواعي. فقد تعامل مع كوكبة من الشعراء الذين حملوا هموم الوطن، تغنّى للشاعر عثمان خالد بأغنيتي (دموع) و(يا قلبي المكتول كمد)، وكان عثمان خالد من الشعراء المجدّدين الذين حملوا رؤية إنسانية عميقة. كما تعاون مع الشاعر عبد الرحمن مكّاوي، الذي كان من أكثر الشعراء تعاونًا معه في الستينيات والسبعينيات. وكتب مكّاوي كلمات أغنية (أحلى منك) التي لحّنها ناجي القدسي. ورغم طابعها العاطفي، إلا أنها حملت بصمة الشعراء المجدّدين. ثم تواصل تعاونه مع عدد من الشعراء، وعلى رأسهم الشاعر إسحاق الحلنقي.
إن ما يميّز علاقة حمد الريح بالشعراء الثوريين هو الوعي بالرسالة. فلم يكن مجرد مطرب يبحث عن كلمات جميلة، بل كان مثقفًا واعيًا. وقد لُقّب بـ (فنان الجامعة) و(فنان المثقفين)، ما يؤكد أنه كان يختار نصوصه بوعي كامل برسالتها.
وبحكم ارتباطه بالجامعة وعمله أمينًا لمكتبة جامعة الخرطوم، كان قريبًا من الوسط الثقافي والمثقفين الثوريين، وعاش معهم أجواء القمع والتحدي.
فأغنية (الساقية لسة مدورة) كانت بمثابة وثيقة فنية للحظة تاريخية كاملة، تجاوزت كونها مجرد أغنية لتصبح أيقونة نضالية يتداولها الناس في السر والعلن.
الخلاصة: كانت علاقة حمد الريح بالشعراء الثوريين علاقة تكامل عضوي: هم يمدّونه بالكلمات التي تعبّر عن روح الشعب، وهو يمنحها صوته العذب وأداءه المتمكّن لتصل إلى القلوب. وقد شكّل مثلث الدوش، حمد الريح، محمد وردي “الذي غنّى للدوش أيضًا أغنية (بناديها)، أحد أقوى أعمدة الأغنية النضالية في السودان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.