مجدي الحاج
للإجابة على السؤال: إلى أي مدى يستطيع الشعر أن يسهم في ترميم الهوية الوطنية المستهدفة بخطاب التجييش والتعبئة للاقتتال العبثي، وتداعيات التهجير والنزوح والمنافي والغربة؟ لا بد من القول: إنَّ ما يشهده السودان اليوم من تشظٍّ مؤلم في نسيجه الوطني، وتمزّق في خرائطه الاجتماعية والوجدانية، ومن انتهاكاتٍ متتابعة أرهقت الإنسان والأرض معًا، يجعلنا نتساءل بشكلٍ جوهري عن دور الثقافة عمومًا، والشعر على وجه الخصوص في ترميم الهوية الوطنية التي تتعرّض لاستهدافٍ ممنهج عبر خطاب التجييش والتعبئة للاقتتال العبثي.
ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل المشروع بالقول: إنَّ الشعر في جوهره ليس مجرد ترفٍ جمالي أو تزيينٍ لغوي للعالم، بل هو طاقةٌ رمزية عميقة تحفظ الذاكرة الجماعية من التلاشي، وتعيد للإنسان قدرته على تخيّل وطنٍ يتجاوز لحظة الخراب.
فحين تتكاثر أصوات البنادق، وتمحو روح الوئام والمحبة والتسامح والسلام بين الناس، يصبح الشعر أحد الأصوات القليلة القادرة على إعادة الإنسان إلى إنسانيته، وعلى تذكير الجماعات المتنازعة بما يجمعها من تاريخٍ مشترك، وألمٍ متماثل، وأملٍ مؤجل.
إنَّ السودان، رغم ما يمر به من محنةٍ قاسية، يظل فضاءً ثقافيًا غنيًا بتعدّد روافده اللغوية والثقافية والروحية.
والشعر، بوصفه أكثر الفنون قدرةً على اختزال التجربة الإنسانية في لغةٍ مكثّفة ونافذة، يمكن أن يكون أحد الجسور التي تعبر بها الذاكرة الوطنية من زمن الانقسام إلى أفق المصالحة. فالكلمة التي تنحاز للحياة، حتى في أحلك الأزمنة، ليست مجرد تعبيرٍ عن الأمل، بل هي فعل مقاومةٍ رمزي ضد العدم.
لقد عرف السودان، عبر تاريخه الثقافي الطويل، كيف يكون الشعر مرآةً لضميره الجمعي؛ إذ لم يكن الشعراء مجرد شهودٍ على الوقائع، بل كانوا غالبًا حراسًا للمعنى حين يتعرّض المعنى نفسه للانهيار.
ودور الشعراء هنا لا يتمثل في إنكار المأساة أو تجميلها، بل في تحويل الألم إلى وعيٍ أخلاقي مشترك، وفي صوغ لغةٍ شعرية تتسع للضحايا جميعًا دون استثناء.
وفي لحظات الانقسام الحاد، يمكن للكلمة الشعرية أن تقوم بدورٍ مزدوج؛ فهي من جهةٍ تفكك خطاب الكراهية والتعبئة الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة، ومن جهةٍ أخرى تعيد بناء الخيال الوطني بوصفه فضاءً رحبًا للتعدد، لا ساحةً للاقتتال.
فالكلمة حين تكون صادقة ترفض الاصطفافات الضيّقة، والتحزبات الجهوية الآثمة، والشعر حين يكون متقدًا يمنح صوتًا لمن سلبتهم الحرب أصواتهم.
إنَّ الشعر الحقيقي الصادق هو صوت كل موجوعٍ ومظلوم، وهو أصدق تعبير عن معاناة النازحين والمهجّرين واللاجئين، والأسرى والمصابين، والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم في مخيمات النزوح، والمدن التي تحوّلت إلى ذاكرةٍ جريحة.
فهو يعمل في الحيز الأعمق من الوعي الجمعي، حيث تُبنى الصور التي يرى الناس من خلالها أنفسهم والآخرين. ومن هذا المنظور يمكن القول إنَّ الشعر لا يوقف الحروب بالمعنى المباشر، لكنه يسهم في مقاومة المنطق الذي يغذّيها.
فإذا استطاع الشعر أن يعيد تشكيل هذه الصور على أساس الاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية المشتركة، فإنه يكون قد أسهم في ترميم ما تصدّع من فكرة الوطن.

Leave a Reply