المطعم المهاجر.. ذاكرة اجتماعية وثقافية للهوية السودانية

صحيفة الهدف

محمد الأمين أبو زيد

في حوارٍ صحفي مع صديقي اليمني إسماعيل المزغبي، وجه لي ثلاثة أسئلة حول المطاعم السودانية في دول الاغتراب، وسألتقي هنا للإجابة عليها من منظورٍ اجتماعيّ وثقافيّ، مع التركيز على نظريات الهوية والانتماء الثقافي، خاصةً بالنسبة للسودانيين الذين شتّتهم النزاع والحرب في المنافي القريبة والبعيدة.
أولًا: كيف يتحوّل الطعام إلى أداة لحفظ الهوية في المنفى؟
الطعام وثقافةُ تناولهِ تشكّل جزءًا أساسيًّا من هوية أي مجتمع. في سياق المنفى، يتحوّل الطعام إلى وسيلةٍ رمزية لإعادة إنتاج الهوية الثقافية، إذ تستعيد الجماعاتُ ذاكرتها من خلال الممارسات اليومية، ويصبح إعدادُ الأطباق التقليدية بمثابة “وطنٍ رمزيّ” داخل فضاء الاغتراب.
الأطباق التقليدية تحمل الذكريات والقيم والعادات، وتساهم في إعادة تمثّل الانتماء الوطني، خصوصًا عند مشاركة المهاجرين وجباتٍ مرتبطة بمناسباتٍ دينيةٍ أو وطنية. من ناحيةٍ أخرى، يمثّل الحفاظ على المطبخ التقليدي شكلًا من أشكال “المقاومة الثقافية الناعمة” ضد الاندماج الكامل في ثقافة البلد المضيف.
ثانيًا: هل المطاعم في دول الاغتراب مساحة اقتصادية فقط أم فضاء اجتماعي؟
المطاعم المهاجرة تتجاوز كونها مجرد نشاطٍ اقتصاديّ، لتصبح فضاءً اجتماعيًّا وثقافيًّا. فهي تجمع الأفراد للنقاش، وتبادل الأخبار، وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية، بل وتقويتها. كما يمكن أن تكون منصّةً لتبادل فرص العمل أو حتى للنقاش السياسي والثقافي حسب طبيعة البلد المضيف.
المطعم يصبح واجهةً ثقافيةً من خلال الديكور والموسيقى واللغة، ويعكس الهوية الوطنية، إذ يعتمد غالبًا على أبناء البلد ويستقطب الآخرين المهتمين بالتعرّف على ثقافة المهاجرين.
ثالثًا: هل يوحّد الطعام المهاجرين أو النازحين من بلد واحد رغم الانقسامات السياسية؟
الطعام قد يحمل قدرةً رمزيةً على التوحيد، لأنه مرتبط بالحياة اليومية والعادات المشتركة. في سياق اللجوء أو النزوح القسري، يولّد التضامن شعورًا بالمصير المشترك “المصائب تجمع المصابين”، ويتجلى هذا في موائد جماعية، ومطابخ تطوعية، وفعاليات ثقافية.
رغم أن الطعام لا يلغي الانقسامات السياسية البنيوية، إلا أنه قد يخفّف من حدّتها مؤقتًا، ويعمل كوسيطٍ ثقافيٍّ يعزّز الذاكرة والانتماء. المطاعم إذًا فضاءات متعددة الأبعاد: اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، تعكس تجارب الشتات السوداني حول العالم.
السودانيون في الشتات، سواء كان اختياريًا أو قسريًا، وجدوا في المطعم السوداني المهاجر مكانًا لتجديد روابطهم الاجتماعية، وإعادة إنتاج هويتهم الثقافية، والحفاظ على “ذاكرة وطنية” حية رغم البُعد الجغرافي والسياسي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.