أمنيةٌ صغيرة

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

بعد عامٍ كاملٍ من العطالة وجدتُ نفسي خلف مقود سيارتي (ليدي بق) أنقل الناس من مكانٍ إلى مكان.. ظننتها في البداية مجرد وسيلةٍ لكسب العيش، محطةً مؤقتةً بين حياةٍ سقطت وأخرى لم تتشكّل بعد.. لكن الطريق له حكمته الخاصة في تربية الأرواح..
ومع الأيام بدأتُ أفهم أنني لم أجد عملًا فقط، بل وجدت مساحةً واسعةً داخل رأسي.. أقود في ضواحٍ هادئة، والطبيعة تمتد حولي كأنها بساطٌ أخضر يغسل القلب.. لا غرفة أخبار تضجّ بالأصوات والضغط.. ولا مديرٌ مثقلٌ بعُقَده يفرّغ مرضه في الموظفين.. فقط طريقٌ طويل وسماءٌ مفتوحة وذهنٌ يتحرّر ببطءٍ من الضجيج..
في البداية كان رأسي ممتلئًا بترهات الأيام: بقايا الغضب وفتات الحيرة وأسئلةٌ لا تنتهي.. ثم يحدث شيءٌ عجيب؛ حين يطول الطريق يهدأ الفكر، وحين يهدأ الفكر تبدأ الروح في التنفّس.. كأن الهواء الذي يدخل من نافذة السيارة لا يعبث بشعر (أنتوني) فقط، بل يعبث أيضًا بأفكاري، فيبعثرها حتى تتعب من الصخب وتجلس أخيرًا في صمتٍ جميل..
غالبًا يجلس في المقعد الخلفي أنتوني، فتىً في الرابعة عشرة شقيٌّ مفعمٌ بالحياة.. يترك النافذة مفتوحة ويضحك للريح، فأراه يركض مع الهواء بينما أمضي أنا في طريقٍ يشبه قطعةً من الجنّة.. الأشجار تهمس، الطريق يلمع تحت الضوء، والسماء واسعةٌ كأنها صدر الكون..
في تلك اللحظات تختفي الحروب، وتذوب الشرور، ويعود إلى القلب شيءٌ بسيط لكنه ثمين: الامتنان.. امتنانٌ لفرصةٍ نادرة أن أرى هذا الكوكب الجميل دون ضجيج ودون استعجال، أن أقوده ببطء كما لو أنني أقرأ كتابًا طويلًا اسمه الأرض..
سلامٌ لكل السائقين الذين يعبرون الطرق كل يوم دون أن يعلم أحد أنهم يحملون العالم على أكتافهم الصامدة.. وسلامٌ خاص لأولئك الذين يقودون بلا انقطاع.. أولئك الذين صار الطريق بيتهم والسماء سقفهم..
أعترف أن في قلبي أمنيةً صغيرة تكبر كل يوم.. أن أصبح يومًا سائقة شاحنة، ربما لوري، تنطلق طويلًا عبر الأرض وتترك المدن خلفها مدينةً بعد مدينة.. حتى تتعب الطرق من مطاردتها، فتتوقف قليلًا على جانب العالم وتوسد رأسها السماء وترتاح..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.