استطلاع: عبد المنعم مختار
في ظل ما يشهده السودان من تشظٍ وتمزّق وانتهاكات، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى يستطيع الشعر أن يسهم في ترميم الهوية الوطنية المستهدفة بخطاب التجييش والتعبئة للاقتتال العبثي، وتداعيات التهجير والنزوح والمنافي والغربة؟ السؤال يفرض نفسه بإلحاح في واقع تتنازعه البنادق وتتقاسمه الجراح، حيث تتصدّع الجغرافيا ويغدو الانتماء نفسه موضع اختبار. في هذا السياق، يصبح الشعر مساحة بديلة للتماسك، ووعاء للذاكرة، وملاذًا للمعنى.
عبد المنعم الكتيابي: الشعر لا يتبع لأي معسكر.. معسكره الأساس الوطن

الشعر واحد من أبرز منابر الوعي، وبه تتشكّل الرؤية، وفيه تتبلور القضايا. نحن نعيش أزمنة يلعب فيها الشعر دورًا إيجابيًا وأحيانًا سلبيًا. على سبيل المثال، الشعر الذي يمجّد القبيلة أو العرق، أو يدعو إلى العنف، هو شعر فاشل ويعمل على نسف الهوية الوطنية. أما الدور الإيجابي، فيتجسد في الشعر الذي يستهدف الوعي ويساهم في بناء الهوية الوطنية.
الشعر لا ينبغي أن يتبع لأي معسكر سياسي أو حزبي، بل ينبغي أن يكون معسكره الأساس الوطن. الشاعر الوطني لا يستخدم الشعر كعصا لتوجيه الناس أو التسويق لأجندات ضيقة، بل يجب أن يكون الشعر رسول سلام يدعم النسيج الاجتماعي ويقويه، ويبعد عن الفتن والنعرات، ويحمي الناس من الاقتتال دون منهج واضح يخدم المجتمع والإنسانية عمومًا.
في زمننا الحالي، يصعب السيطرة على الانحرافات التي يمارسها بعض الشعراء حين يستغلون ملكاتهم الفنية في خدمة أجندات ضارة بالمواطن والوطن. لذلك يجب أن يتجه الشعر نحو صناعة السلام الداخلي والاجتماعي، لأن الفن الذي لا يدعو إلى الحق والخير والجمال يتحوّل إلى أداة لإفساد المجتمع وإضعاف القيم الإنسانية.
عادل سعد: القصيدة في مواجهة الحرب.. توثيق الألم وحفظ الذاكرة

الشاعر يرى أننا أمام حالات من الموت الذي يسخر من ظلال الأحياء، وسط طوابير طويلة من الشعارات والخطب المضادة، وجنازات يابسة، ورعب جماعي، وأرواح مفككة .إذا كانت القصيدة تستطيع أن تمنح المأساة شكلًا ووجودًا شعريًا، فهي بذلك تساعد على استيعاب تجربة الحرب والنزوح، وتعيد صوغ الذاكرة الجماعية والهوية والمكان والتاريخ.
إنها “شعرية الحرب، شعرية النزوح، شعرية المنفى”، حيث توثّق الألم، وتربط الحاضر بالماضي، وتذكّر الإنسان بالهوية المشتركة، في مواجهة كل خطاب يهدف لتجزئة المجتمع.
أنس عبد الصمد: القصيدة قادرة على كسر حدة الاستقطاب الاجتماعي الذي قسّم السودان
في هذه المرحلة الحرجة، لا يمثّل الشعر مجرد ترف موسيقي، بل يصبح شاهدًا على ذاكرة الوطن وملاذًا واقيًا للهوية من التشظي .القصيدة تخيط جراح الوطن، وتغسل ما دنّسته خطابات التحشيد والتجييش، إذا وعى الشعراء دورهم الأخلاقي في دعوة السلم ووحدة المجتمع.
القصيدة قادرة على كسر حدة الاستقطاب الاجتماعي الذي قسّم السودان، فهي تذكّر الجميع أن الألم واحد مهما اختلفت الانتماءات الجغرافية، وتربطنا بالذاكرة والهوية والثقافة المشتركة، في مواجهة النزوح والغربة والصدمات الناجمة عن الحرب. لكن الواقع مؤلم: كثير من الشعراء والمثقفين انحازوا لأجندات قصيرة المدى، متجاهلين دورهم الأخلاقي. القلّة فقط التزمت الصمت أو ساهمت بشجاعة فيما ينبغي فعله. أملنا أن يراجع المنحازون للبندقية حساباتهم ويختاروا الموقف الأخلاقي النبيل، فالأبطال الحقيقيون هم الذين يدعون للسلام لا الذين يشعلون الحرب.
تتضح من خلال آراء الشعراء أن الشعر قد يكون أداة ترميمية للهوية، ووسيلة مقاومة للخطاب الكريه، وفضاءً للذاكرة الجماعية، لكنه يحتاج إلى وعي شعري وأخلاقي من قبل من يكتبونه، ليصبح قوة فاعلة في مواجهة التشظي والانقسام. الشعر وحده لا يوقف الحرب، لكنه يحفظ الإنسانية والذاكرة والهوية، ويمنع تلاشيها الكامل، ويظل جسرًا روحيًا يعيد الوطن إلى الحاضر بوعي وسلام.

Leave a Reply