الكدندارة.. و”الديوان النظامو كراسي”

صحيفة الهدف

د.توتا صلاح مبارك

هناك أغنية، كلما سمعتها انفتح في صدري فرحٌ قديم، وأزهرت الطفولة. أغنية تتنزّل كالشفاء بعد السقم، وكالرَّواء بعد الظمأ. كلماتها نظمها الشاعر عمر البنا، تقول:
“وين عطفك وينو حنانك
يا ملك في أوانك
يا الرفيعة خصالك
إنت قلبك قاسي ما بتجود بوصالك
ما بنطيقه خصامك
ليه تجرّد علينا يا حبيب حسامك
يا الجميل هندامك
نكون سعاد لو تقبل نبقى في أيامك
مخلصين لولاك حالنا ظاهر أمامك
يا جميل اتعطف علينا بإنعامك”
غنّاها الفنان أحمد الطيب بصوته الرقيق، الشجيّ النديّ، وبنبراته العميقة الدافئة. هو ابن الجزيرة، من (طابت)، غير بعيدة كثيرًا عن الكاملين.. مسقط رأس والدي.
كان الذهاب إلى الكاملين في إجازة المدارس حلمًا ساحرًا يداعب طفولتنا، يشبه الذهاب في عطلة ماتعة إلى (ديزني لاند). كانت الإجازة في منزل جدّي لأمي، بشير حسنين، فضاءً يجود علينا بحيّز من الحرية، وفكاكًا مؤقتًا من رتابة الروتين الجاد، وانعتاقًا من قيود الأسرة الصغيرة بقطبيها الحبيبين: والدين كرّسا جهدهما للتربية والتقويم والتعليم، بقوانين تكاد تشبه تلك المنسوبة لحمورابي.
كانت قوانين تؤسّس نمط حياة تظلّله ضوابط صارمة: استذكار دروس المدرسة، وتجنّب لعب الكوتشينة، خطًا أحمر لا يُقفز فوقه، والخلود إلى النوم باكرًا. أما في بيت جدّي فكنا ننام حين نشاء، ونستيقظ حين تفتح الشمس بابها:
“في إيديك تنوم
على كيفك تقوم
لا دفتر حضور
لا حصّة فطور
تزرع بالقمر
تقرع بالنجوم”
كان جدّي رجلًا فارع القامة، طويلًا كحكايةٍ لم تكتمل، مترع السُّمرة كالنيل قبل الغروب. ينساب شعره بنعومة، وتبدو ملامح وجهه دقيقة موشّاة بحدّة وجدّية، ولا تخطئ العين شلوخًا رفيعة تتمدّد طولًا فتشقّ وجه الزمن.
كان يلاعبنا، يمرّر يده على أصابعنا، ويردد كلمات ذات رَذَم موسيقي:
“ضباح..
كسّره بملاح..
ده الضبحو..
ده القطّعو..
ده القسمو..
ده الأكلوه..
ده الدسوهو..
ده قال حقي وينو؟
بيت العجوز وين؟
قدّام..”
كلمات كان يقولها بلغةٍ لم نكن نفهمها، فنضحك، وتضحك معنا، ومنّا، طفولتنا وبراءتنا. ولم أكن أدري أن ذلك كان تداعيًا لحنينٍ عميق، حتى أخبرتني أمي أنه جاء من (دراو)، قاطعًا النيل، حاملًا لغة الكنوز وعطر كوش: “ترك الأهلين ذات مسا، وترنّح برّاً وسفينة”.
أجمل ما في تمرّدنا النقي كان اللعب معظم الوقت تحت ظل شجرتي الحنّة والليمون. شجرتان وارفتان تقفان بصبر وشموخ أمام ديوان جدّي، تحتفيان بالضيوف قبل أن يدلفوا إلى الداخل.
كان الديوان مهيبًا: بناء ممتد طولًا، أرضه تكسوه سجاجيد فخيمة بلون أحمر قانٍ، وكراسٍ وأسرّة تنسدل عليها ملاءات قطيفة حمراء. لا أدري ما سر اللون الأحمر، لكنه كان يسبغ مسًا من الغموض والسحر، تزيد من سطوته إضاءة خافتة خجلى.
ورغم ذلك السحر كانت هناك طمأنينة تبثّها لوحات على الجدران تحمل آيات من القرآن، وأبرزها (كهيعص). كنت كثيرًا ما أسأل عن معناها، ولا أظفر بإجابة تشفي غليلي.
آه.. اللون الأحمر. إن كان يدل على الحب والشغف فقد تحققا عند جدّي؛ فقد كان له قلب اتسع لعشرين ابنًا وابنة، ولزوجتين تعيشان في ذات المنزل، لكل واحدة جزء يفصل بينهما زقاق. زقاق.. “لكن في الحق آلاف السنين”، وصدق إسماعيل حسن:
“بين العمارات والديوم..
شارع ظلط،
لكنه في الحق آلاف السنين”
قيل أيضًا إن الأحمر قوة، وقد تجلّت في جدّي؛ كان يستيقظ باكرًا لصلاة الفجر، كأن النوم لا يجرؤ عليه. وكان تاجرًا امتدت تجارته من الكاملين إلى كوستي وسنار. أما السياسة فلم يكن للأحمر عنده منها نصيب؛ لا ماركسية، ولا اشتراكية، ولا “أولاد ماما” ولا ريحهم الأحمر.
لكن الأحمر لم ينتصر وحده؛ فالأخضر كان يحرس الباب ويعلن انحياز الطبيعة. فشجرة الليمون أمام الديوان كانت تكرم الضيوف بظلها، وبردًا وسلامًا بشربات الليمون. أما شجرة الحنّة فلو أنسنتها لقلت إنها حنينة رزينة، ذات عبق أسري.
في ذاكرة الحنين تتداعى رائحة الحنّاء، ولون عجينتها، ونقشها على الأيدي والأرجل، وصبغها للشعر.. وكلها تأخذني إلى حضن أمي. كانت عاشقة للحنّة، مفتونة بها. ولم تكن وحدها؛ فحتى المومياوات الفرعونية وُجدت مخضّبة بالحنّاء.
وذات مرة سمعت طنينًا يصدر من شجرة الحنّة، فتعجبت: أهو شهيقها وزفيرها وهي تمارس الحياة؟ ازدادت هيبتها لديّ، إلى أن أخبروني أن ذلك صوت الكدندار.
والكدندارة، لغير الناطقين بها، نوع من الخنافس الطائرة متعدّدة الألوان؛ الذكر كدندار، والأنثى كدندارة. سريعًا التقط خالي فايز دهشتي، وربط كدندارة بخيط، فأخذت تطير، يحدّ من حريتها الخيط، ويعلو طنينها.
لعلها كانت تهتف: حرية.. سلام.. وعدالة.
ونحن نضحك ضحك أطفال لا يعرفون أن الأوطان أيضًا يمكن أن تُربط بخيط، وأن الطنين قد يصير صراخًا. كنا نضحك بطيش، تمامًا كما فعل “هؤلاء” حين فضّوا براءة الوطن في ميدان الاعتصام، ذات صباح، ذات ثورة..
و”حدس ما حدس”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.