أطفال الحروب.. أيُّ عالمٍ ينتظرهم؟

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي

ليس من السهل أن نفهم الحرب من خلال الأخبار وحدها. فالخرائط تتغيّر، والعناوين تتبدل، لكن هناك شيئًا آخر يبقى طويلًا بعد أن يصمت صوت السلاح: الأطفال الذين كبروا في ظلها! طفلٌ يتعلّم مبكرًا أن يميّز بين صوت الطائرة وصوت الرعد، وطفلةٌ تحمل حقيبةً صغيرة لا تعرف إن كانت ستعود بها إلى بيتها أم إلى مكانٍ آخر، وآلاف الصغار الذين يفتحون أعينهم على عالمٍ اختلطت فيه المدرسة بالملاجئ، واللعب بذكريات الخوف.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما يعيشونه اليوم، بل بما ينتظرهم غدًا. ماذا يحدث لهؤلاء الأطفال عندما تنتهي الحروب؟ هل يبقون أسرى ذكرياتها، أم يصبح بعضهم الجيل الذي يعيد بناء ما تهدّم؟
التاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الأمم التي عرفت الحروب القاسية نهضت من جديد، وأن الأطفال الذين عاشوا تلك السنوات الصعبة أصبحوا لاحقًا معلمين وأطباء ومهندسين وقادة ساهموا في إعادة بناء مجتمعاتهم. فبعد الحرب العالمية الثانية كبر جيلٌ كامل في ألمانيا واليابان بين أنقاض المدن، لكنه كان جزءًا من النهوض الذي أعاد بناء البلدين. لكن الطريق من ذاكرة الحرب إلى بناء المستقبل ليس طريقًا سهلًا؛ فالأطفال الذين يكبرون في زمن النزاعات يحملون معهم تجارب لا يعيشها أقرانهم في الأماكن الآمنة: خوفٌ مبكر، وفقدان أحبة، وانقطاع في التعليم، وأحيانًا شعورٌ طويل بعدم الأمان.
ومع ذلك تخبرنا تجارب كثير من الدول أن هذه الذاكرة القاسية يمكن أن تتحوّل مع الوقت إلى قوةٍ دافعة. فالجيل الذي عاش الحرب عن قرب غالبًا ما يدرك قيمة السلام أكثر من غيره، ويعرف جيدًا معنى الاستقرار الذي قد يبدو أمرًا عاديًا لمن لم يعيشوا تلك التجربة. ففي أوروبا مثلًا كبر ملايين الأطفال في ظل الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، بين مدنٍ مهدّمة ومدارس قليلة وأسرٍ تحاول أن تبدأ الحياة من جديد، لكن هؤلاء الأطفال أنفسهم أصبحوا لاحقًا جزءًا من الجيل الذي أعاد بناء اقتصاديات قوية ومجتمعات أكثر استقرارًا في دول مثل ألمانيا واليابان.
والأمر نفسه تكرر في أماكن أخرى؛ ففي رواندا، بعد المأساة الإنسانية التي شهدها البلد خلال الإبادة الجماعية، كبر جيلٌ جديد حمل على عاتقه مهمة إعادة بناء المجتمع والمصالحة بين أبنائه. وفي البوسنة والهرسك، بعد حرب البوسنة، وجد الأطفال الذين عاشوا تلك السنوات أنفسهم لاحقًا جزءًا من الجهود التي أعادت الحياة إلى مدنهم ومؤسساتهم. ولم تكن هذه التجربة حكرًا على بلدٍ واحد؛ ففي أماكن مختلفة من العالم، من فيتنام بعد حرب فيتنام إلى كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، كبر أطفال الحرب ليصبحوا لاحقًا جزءًا من الجيل الذي أعاد بناء المدارس والمصانع ومؤسسات الدولة، وكأن التاريخ يكرر فكرته نفسها: أن الأوطان يمكن أن تنهض مرة أخرى حين يكبر الأطفال الذين عرفوا مبكرًا ثمن الحرب وقيمة السلام.
التاريخ يذكر أيضًا أسماء أشخاص عاشوا تلك التجارب القاسية في طفولتهم ثم أصبحوا لاحقًا رموزًا للمعرفة أو القيادة أو الإبداع. فالكاتب الياباني كنزابورو أوي عاش طفولته في اليابان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ثم تحوّلت تلك التجربة إلى أدبٍ إنساني عميق تُوِّج بحصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1994. وفي أوروبا نشأت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في ألمانيا التي كانت لا تزال تحمل آثار الحرب والانقسام قبل أن تصبح واحدة من أبرز القادة الذين ساهموا في استقرار أوروبا الحديثة. كما أن الممثلة الأمريكية الشهيرة أودري هيبورن عاشت طفولتها في هولندا خلال سنوات الاحتلال في الحرب العالمية الثانية وعانت من الجوع والحرمان، لكنها أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر الفنانات في العالم وكرست جزءًا كبيرًا من حياتها للعمل الإنساني مع اليونيسف.
وفي البلقان كتبت الكاتبة والصحافية سلافينكا دراكوليتش عن تجارب الحرب في منطقتها بعد حروب التسعينيات محاولةً أن تنقل إلى العالم ما تعنيه تلك التجارب للناس العاديين الذين عاشوها.
هذه القصص لا تلغي قسوة الحروب ولا تقلّل من الألم الذي يعيشه الأطفال خلالها، لكنها تذكّرنا بأن الإنسان يمتلك قدرةً مدهشة على النهوض، وأن المجتمعات التي تستثمر في التعليم وتوفر الاستقرار وتفتح المجال أمام الشباب تستطيع أن تحوّل حتى أكثر التجارب قسوة إلى نقطة بداية جديدة. فالطفل الذي عاش الحرب قد يحمل ذاكرة الألم، لكنه قد يحمل أيضًا فهمًا عميقًا لقيمة الحياة وإصرارًا على ألا يتكرر ما عاشه مرةً أخرى.
ربما لن ينسى أطفال الحروب ما عاشوه يومًا، فالذاكرة لا تمحو بسهولة صور البيوت التي هُدّمت ولا الطرق التي تغيّرت ولا السنوات التي ضاعت بين الخوف والانتظار. لكن التاريخ يعلمنا أن الأطفال الذين عاشوا الحرب ليسوا مجرد ضحايا لها؛ فكثير منهم يكبرون وهم يحملون فهمًا عميقًا لقيمة السلام وإصرارًا على أن يكون العالم الذي سيبنونه مختلفًا عن العالم الذي عرفوه صغارًا.
فالأمم لا تُبنى فقط بالمدن الجديدة والطرق الحديثة، بل تُبنى أيضًا بالجيل الذي تعلّم مبكرًا معنى الفقد، ومعنى الأمل. ولهذا، حين ننظر اليوم إلى أطفال الحروب قد نرى في عيونهم القلق والخوف، لكن ربما يكبر بينهم أيضًا المعلم الذي سيعيد بناء المدارس، والطبيب الذي سيعالج جراح الآخرين، والمهندس الذي سيعيد بناء المدن، والقائد الذي سيتعلّم من الماضي كيف يصنع سلامًا أكثر عدلًا.
فمن بين الأنقاض يولد أحيانًا الجيل الذي يعيد كتابة المستقبل..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.