قلم:
يوسف الغوث
العشق في اللغة مشتق من العشقة وهي نبات متسلق يلتف حول الشجر ويتشبث به حتى يصبح فكاكه مستحيلًا دون تدميره
إن هذا الأصل اللغوي، يحمل دلالة عميقة عن طبيعة العشق ويعكس التعلق الشديد الذي يصبح لا انفكاك منه ولا يمكن تجهاله…..
هنالك إشكاليات فلسفية شغلت الإنسان منذ فجر الوعي، أين تنتهي حدود الذات؟؟
ومتي تبدأ حدود الآخر؟؟ وهل يمكن للوجود الإنساني أن يبلغ ذروته في لحظة يذوب فيها الفرد في كيان آخر دون أن يفقد جوهره؟؟
تقول الأصداء العميقة للفلسفة، الصوفية
إنه وحينما يصل السالك إلى مقام الفناء، ثم البقاء، يكون قد وصل مرحلة التلاشي في المحبة الإلهية، ولكن الأمر الغريب أنه قد تتكرر هذه التجربة في العلاقات الإنسانية الأفقية، فالحب الأرضي قد يكون تمرين روحي وبداية للذوبان المقدس..
فالذوبان الحقيقي ليس استلابًا بل هو اعترافًا بأن الذات لا تكتمل إلا بالأخرى..
فمثلًا نجد في العلاقات العاطفية لحظات استثنائية، يختفي فيها الشعور بالانفصال
ويتم عبرها تجاوز حدود الجسد، نحو فضاءات، يكون فيها حبس الذات غير ممكن، فيخرج الجسد من سجنه الانطولوجي نحو فضاءات واسعة ورحيبة…
إن فلسفة الاتحاد والذوبان في العلاقات الإنسانية، لا تلغي أحدًا بل تخلق وعيًا جديدًا،(فنحن، تختلف عن( أنا وأنت،)
إن الحب الإنساني ليس منفصلًا عن الحب الإلهي، فمن أحب مخلوقًا حبًا صادقًا، وصل فيه إلى درجة الفناء، حدثت له فرصة التهيؤء لفهم معاني الحب الإلهي، وربما يصل العاشق إلى لحظات الزروة، التي يعجز فيها عن التعبير عما يحيط به أو يعتبره من أحداث، فتتكسر اللغة ولا يبقي سوى الصمت أو الإشارة…
إن الذوبان الحقيقي لا يعني فقد الهوية
،والفناء في الله لا يعني أن يصير العبد إلهًا، فالذوبان في الآخر يندرج تحت مفاهيم تحقيق الذات وليس إلغائها..
إن البعد الصوفي لمفهوم العشق يتجاوز العلاقات العابرة، إلى جوهر الوجود نفسه،
فذوبان المحبوب ليس مجرد التقاء جسدي، بل هو حضور متبادل، يصل فيه الطرفان إلى مرتبة لا يعود فيها السؤال عن الهوية مطروحًا، فالمحبة هي أساس العبادة
وحب الله تعالى هو الغاية القصوى، (والذين آمنوا أشد حبًا لله،،،،البقرة 165)وعشق المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه( واجب)، فالحب هو الطريق لمعرفة الله، ولن يصل شخص لمعرفة ذاته تعالى عبر العلم (المجرد)، فالعشق صفة من صفات الله الأزلية، فالله سبحانه وتعالى عشق ذاته بذاته، فهو العشق والعاشق والمعشوق، والمعشوق تعبير عن كمال الذات الإلهية، فعندما يتصل العشق القديم بالعاشق البشري، يتحول باطن الإنسان ليكون ربانيًا، مع ضرورة فهم أن هذا التحول، لا يعني (حلول )أو (اتحاد) بالمعنى المادي، فالعبد عبد والرب، رب،
والجمال الإنساني عبارة عن توهج وتجلي إلهي ….
فمن أحب مخلوقًا، إنما يعشق فيه تجليات الخالق، وكلما( اتسعت الرؤية
،،ضاقت العبارة…)
ختامًا..
إن مفهوم العشق بمعناه الأوسع، يتجاوز حدود العلاقة الثنائية والفيزيائية، بين الأفراد……
فهو حالة وجودية كامنة، وقوة كونية
،عمقها يتجاوز حدود الوعي، والوجود …
فعشق الوجود وارتباطه بالحياة يتجاوز حدود الموت وفقدان القدرة على الدهشة،
وعشق المعرفة، يتجاوز شغف العقول وصولًا إلى الحقيقة المطلقة، أما عشق الأفراد لبعضهم، فحدوده استنفاد طاقات العطاء امتدادًا بمواجهة القسوة، التي تزلزل الأركان،
إن رغبة الوجود في التأمل، قد تعجز أصحاب الطاقات المحدودة، ولكنها تبعث الأمل في نفوس الصادقي، الذين يذبون، في الفناء، ثم يبعثون في صفات المعشوق جمالًا وكمال وضياء..

Leave a Reply