بقلم: الدكتور أحمد شوتري
في تاريخ الحركات القومية العربية، نادرًا ما تظهر شخصيات تجمع بين عمق الانتماء الوطني ووسعة الرؤية القومية، دون أن يتنافى أحدهما مع الآخر. ومن بين هذه القامات القيادية، يبرز الرفيق علي الريح السنهوري بوصفه نموذجًا فريدًا للبعثي الذي استطاع أن يجعل من تجربته السودانية أرضية صلبة لمشروع قومي شامل.
إن فهم تجربة الرفيق علي الريح السنهوري يتطلب إدراك خصوصية السودان، بلد التقاء الوطن العربي بإفريقيا، بما يحمله من تنوع ثقافي واجتماعي وسياسي. لقد عايش الرفيق عن قرب جملة من القضايا المصيرية التي هزت بنية الدولة السودانية: الوحدة والانفصال، التعددية والديمقراطية في مواجهة الاستبداد، التنمية والعدالة الاجتماعية، الح.رب والسلام، التحديات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية. هذه التجربة الصعبة لم تصنع مجرد سياسي، بل صقلت شخصية قيادية قادرة على قراءة الواقع بواقعية سياسية عالية، دون التفريط بالثوابت الفكرية والقومية.
خلال توليه موقع أمين سر قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي، أثبت الرفيق علي الريح السنهوري قدرته التنظيمية على الحفاظ على تماسك الحزب في أصعب الظروف السياسية، وربط هموم المواطن السوداني اليومية بمشروع نهضوي عربي شامل. ومن هنا تتجلى إحدى أهم ملامح رؤيته: أن النضال الوطني الحقيقي هو المدخل إلى الانتماء القومي، وليس بديلًا عنه.
البعد القومي في تجربة الرفيق علي الريح السنهوري لم يكن شعارات جوفاء، بل رؤية عملية مستمدة من إدراك عميق لتنوع الأمة العربية وخصوصيات الأقطار. فالقومية التي يناضل من أجلها ليست إقصائية، بل إنسانية وديمقراطية وتحررية، تستمد قوتها من التعدد والتنوع، وتؤكد على أن الانتماء الوطني والقطري هو العمود الفقري لأي مشروع قومي صادق.
لقد استطاع الرفيق علي الريح السنهوري أن يحول خصوصية التجربة السودانية إلى رصيد عربي مهم، مستفيدًا من موقع السودان الجغرافي كحلقة وصل بين المشرق والمغرب، وبين الوطن العربي وإفريقيا. وهذا الوعي الاستراتيجي جعله شخصية قيادية ذات رؤية واسعة، تمتد من حماية وحدة السودان داخليًا إلى الدفاع عن وحدة الأمة العربية وأفكارها التحررية.
إن انتخاب الرفيق علي الريح السنهوري أمينًا عامًا لحزب البعث العربي الاشتراكي في المؤتمر القومي الثالث عشر يرسخ هذه الرؤية عمليًا، ويبعث رسالة واضحة مفادها أن العروبة الحقيقية لا تلغي خصوصيات الأقطار، بل تحتضنها وتثريها، وأن الانطلاق من العمق الوطني هو السبيل الأقرب لتحقيق الوحدة القومية والعدالة الاجتماعية والتحرر.
اليوم، يواجه الرفيق علي الريح السنهوري مهمة تاريخية تتمثل في ترجمة رؤيته القطرية–القومية إلى برنامج عمل واضح، وإعادة بناء الحزب على أسس متينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الثوابت والمتغيرات. فهو ليس قائدًا تنظيريًا فحسب، بل مناضل عايش الميدان، صمد أمام المحن، ودفع ثمن قناعاته.
تجربة الرفيق علي الريح السنهوري تقدم نموذجًا فريدًا للقائد الذي يجمع بين هموم الوطن الصغير وطموحات الوطن الكبير، وبين الانتماء القطري والانتماء القومي، في حالة تفاعل عضوي خلاق، قادر على مواجهة تحديات الأمة في مرحلة حرجة من تاريخها.
وفي زمن تتعرض فيه الأمة العربية لأخطر مراحل التفكك والاضطراب، يظل الرفيق علي الريح السنهوري شخصية سودانية الهوى، عربية الانتماء، إنسانية الرؤية، بعثية المبدأ والنهج، وهو القادر على قيادة الحزب والأمة نحو المستقبل، متشبثًا بالثوابت ومتجاوبًا مع المتغيرات، وراعيًا لخصوصيات الأقطار ومعوّلًا على وحدة الأمة.
وعلى درب العروبة يسير، مستمرًا في النضال، حاملًا هموم السودان والوطن العربي، مدافعًا عن العدالة والتحرر، ومجسدًا جدلية الوطن والأمة في أبهى صورها.

Leave a Reply