إنصاف الشفيع
يصادف مارس الجاري مرور مائة عام وعقدٍ ونصف من الزمان على أول احتفال فعلي بيوم المرأة العالمي، فقد أُقيم أول احتفال في مارس من عام ١٩١١ في عدة دول أوروبية… وقد كان اختيار الثامن من مارس يومًا للمرأة نتيجة تاريخٍ طويل من نضال النساء من أجل الحقوق والمساواة، وتحوّل هذا اليوم إلى مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات المرأة والدفاع عن حقوقها، والذي يأتي هذا العام والمرأة تعاني أوضاعًا مؤلمة في الكثير من بلدان العالم، يأتي في مقدمتها السودان… فالمرأة في السودان تعاني وتكافح من أجل نيل أبسط حقوقها الإنسانية، ناهيك عن غيرها من الحقوق السياسية والمجتمعية الأخرى… ويزداد وضع المرأة السودانية تعقيدًا، دون غيرها، مع اقتراب دخول الحرب الحالية في السودان عامها الرابع… الأمر الذي يجعل الاحتفال والاحتفاء بهذا اليوم يأخذ طابعًا خاصًا، خصوصية وضع السودان بصورة عامة ووضع هذه الشريحة الهامة — إن لم تكن الأهم — في المجتمع.
تعاني النساء في مناطق السودان المختلفة وفي دول اللجوء من الكثير من المشاكل والصعوبات، والتي تنعكس بالتأكيد على أوضاع أسرهن، وبالتالي على كل المجتمع، ولذلك يجب ألا يقتصر إحياء ذكرى هذا اليوم على الخطب والندوات والاحتفالات… بل أن يأخذ شكلًا استثنائيًا مختلفًا يؤدي إلى تأثير ملموس في أوضاع المرأة التي لن تفيدها إقامة ندوة تحيي نضالها عبر السنين، ولن تطربها أناشيد كورالية تمجّد إنجازاتها وانتزاعها لحقوقٍ ظلت عصية عليها لأزمانٍ خلت… بالتأكيد لا بد من إقامة مثل هذه الندوات والعمل على توعية المجتمع ككل، وكذلك التغنّي بما تم إنجازه في مجالات عديدة… إلا أن الأهم من ذلك اتخاذ خطوات جريئة وواضحة في مكافحة العنف ضد المرأة أولًا، وهو قضية هامة وعادلة تبرز بشدة في مناطق الحروب والنزاعات… فقد أشارت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى انتشارٍ واسع للاغتصاب والعنف الجنسي استهدف الفتيات والأطفال، حيث سُجّلت حالات اغتصابٍ جماعي واستعبادٍ جنسي وخطف في مناطق عديدة، وإن ملايين النساء والفتيات ما زلن معرضات لخطر الاعتداء في ظل استمرار الحرب.
إن توفير الأمن والبيئة الآمنة للمرأة قضية تفوق في أهميتها كل القضايا، حيث يعتمد عليها تنشئة أسرة سليمة، وبالتالي مجتمع سليم ومعافى… يلي ذلك قضية تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا، وذلك بتشجيع الأفراد والمؤسسات على دعم المبادرات التي تخدم النساء والفتيات… وأعتقد أن هاتين القضيتين هما أكثر ما يهم المرأة السودانية في وضعها الحالي على الأقل حتى يزول تأثير هذه الحروب وتزول التشوهات التي نتجت عنها، والتي طالت معظمها المرأة بشكل خاص… لتأتي بعد ذلك مرحلة ندعو فيها ونكافح من أجل تعزيز فرص متكافئة في العمل والسياسة، إذ إن ذلك يُعد في الوقت الحالي والظروف المحيطة ترفًا لا نملك أن نحلم به، خاصة للمرأة في مناطق النزاع، رغم أنه من صميم حقوقها الأصيلة.
ختامًا يبقى الثامن من مارس من كل عام يومًا يذكرنا بأن يتواصل سعينا جميعًا من أجل مجتمعات أكثر عدلًا.
وللمرأة السودانية الصامدة تحيتي وكلماتي الأخيرة، والتي أستعيرها من بعض ما كتب شاعر الشعب، محجوب شريف..
تحيي تعيشي، لا مقهورة، لا منهورة، لا خاطر جناك مكسور…
بل مستورة، يا ذات الضرا المستور.
سلامًا يا غزالات العمل والبيت.

Leave a Reply