د توتا صلاح مبارك
من دارفور إلى الجزيرة… حكايات نساءٍ يصنعن الحياة، ويحملن الوطن على أكتاف الصبر والصمود.
يعتصرنا الحزن ويشقّ خاصرة الصبر.
نحتفي بيومٍ واحدٍ يتيم… بينما كلُّ الأيام لهم!
لا تزال المرأة – رغم مفردات الحقوق ومواثيق الحماية الشكلية – كما كانت دائمًا: مستضعفة، مستباحة الحقوق.
هي ذات المرأة التي كان لها شرف الريادة في ثورة ديسمبر، لكنها نفسها التي تعرّضت للاعتداء الجسدي، وللانتهاكات الجنسية علنًا في غياهب الحروب.
نحتفي بالمواثيق الدولية، لكن القلب يدمي على حواء البسيطة في القرى النائية.
هناك تصبح رحلة الصغيرات لإحضار السقيا – ماء الشرب للأسرة – بديلاً عن الذهاب إلى فصول الدراسة، حيث يمكن لحرفٍ واحد أن يكون سلاحًا في مواجهة الفقر وتغوّل الأقوى.
أذرف الدمع سخياً لنساء دارفور، اللواتي أُهينت كرامتهن وانتُزعت إنسانيتهن قهرًا، ولهن من الحكايا ما يشيب له الولدان.
وماذا أقول عن نسوة الجزيرة، وهن تحرق وجوههن شمس الهجيرة في الحواشات، يسهمن بعرقهن في توفير لقمة تسد رمق طفلٍ جائع أو يتيم؟
ولقلمي أن يسطر حروف الوفاء لأولئك النسوة اللاتي قُدّر لهن أن يقمن بالدور المركّب: دور الأب والأم معًا؛ إذا غاب الأب مؤقتًا بحثًا عن لقمة العيش، أو غاب غيابًا أبديًا بالموت… أو بهروبٍ متعمّد ممن لم يصبه نصيب من ضمير حي.
وهل تفي كلماتي حقّ النساء اللاتي يقضين يومهن في المطبخ؟
وجوه لا تعرف مساحيق التجميل، وشعور لم تعرف طريقها إلى صالونات الشعر، ولا كريمات الترطيب والفرد.
ومع ذلك… نحتفي بهن بيومٍ واحد: الثامن من مارس.
وتقول الرواية التاريخية إن آلاف النساء تظاهرن في نيويورك عام 1856 احتجاجًا على ظروف العمل اللاإنسانية التي كن يعشنها. وقد شكّلت تلك التظاهرات – التي تكررت لاحقًا – مقدمة لحصول المرأة على مزيد من الحقوق، وتخصيص الثامن من مارس من كل عام يومًا للاحتفاء بإنجازاتها والتعبير عن التقدير لها.
كما جاء تثبيت هذا اليوم بعد انعقاد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس عام 1945.
اليوم يتبادل الجميع رسائل التهنئة بهذه المناسبة، كما تبادلوا قبلها رسائل عيد الحب.
لكن شيئًا ما يختنق في داخلي…
كلما مرّ بخاطري ذكر الشهداء، أولئك الذين هم أكرم منا جميعًا.
وأمهاتهم…
تلك الأمهات اللاتي هن أكرم النساء وأجملهن وأبهاهن.
كيف لا، وقد ذهب أبناؤهن مهراً للحرية؛ حريةٍ لم نعرفها بعد، ولم نذق طعمها، ونحن نودّع شهيدًا إثر شهيد.
التحية لأمهات الشهداء، وهن يهزمن الأحزان ويعلّمننا درسًا عظيمًا في الصبر والتماسك.
التحية لوالد ست النفور وهو يقهر الأسى، ويفخر بابنته التي أهدت روحها مهرًا لتحرر الوطن.
التحية والرحمة لكل الشهيدات والشهداء على امتداد هذا الوطن الموجوع، الذي شاءت أقداره أن يُحرم من الحرية… ولو إلى حين.
التحية لكل نساء بلدي، وهن يقاسين علقم الحرب ومرارة النزوح والتهجير.
ونحو سودانٍ بلا حرب…
بلا معاناة…
بلا أحزان…
سأظل أحلم،
ولن أتوب عن أحلامي.

Leave a Reply