المرأة السودانية في عيدها.. غربة ونضال في زمن الحرب

صحيفة الهدف

ندى أوشي

في كلِّ عامٍ، حين يأتي الثامن من مارس، تمتلئ الأرضُ بالورودِ والكلماتِ الجميلة عن المرأة، تُكتب الخُطَبُ عن قوّتها، وتُرفع الصورُ احتفاءً بإنجازاتها، وتُضاء المنصات باسمها. لكن في السودان، يمرُّ هذا اليوم على النساء مثل ظلٍّ ثقيلٍ يعبر فوق قلبٍ متعب. فهناك، في بلدٍ أنهكته الحرب منذ أبريل 2023، لا تأتي المناسبةُ بالورود، بل تأتي بأسئلةٍ موجعة عن البيت الذي ضاع، والطفل الذي خاف، والطريق الطويل الذي لا يعرف أحدٌ أين ينتهي.
لقد تحوّلت الحرب في السودان إلى واحدةٍ من أكبر المآسي الإنسانية في العالم اليوم. خلال أقلّ من عامين، اضطر أكثر من 13 مليون شخصٍ لمغادرة بيوتهم، منهم ما يزيد على 9 ملايين نازحٍ داخل البلاد، فيما فرّ نحو 4 ملايين إلى دول الجوار. والأكثر قسوةً أن أكثر من نصف هؤلاء النازحين نساءٌ وأطفالٌ، يحملون معهم بقايا حياةٍ كانت يومًا عادية.
في قلب هذه الأرقام تقف المرأة السودانية، لا بوصفها رقمًا في إحصاء، بل بوصفها حكايةً كاملةً من الصبر. امرأة خرجت من بيتها قبل أعوامٍ ذات صباحٍ ولم تعد إليه، امرأة حملت طفلها بيدٍ، وباليد الأخرى حقيبةً صغيرةً فيها بعض الأوراق والصور، امرأة لم يكن لديها وقتٌ لتودّع الجدران أو الأشجار أو الجيران، لأنّ الحرب حين تصل لا تمنح أحدًا فرصةً للوداع.
ومع امتداد النزوح، أصبحت طرق اللجوء ممتلئةً بأقدام الأمهات. بعضهن سرن أيامًا، وبعضهن عبرن الحدود وهن لا يعرفن ماذا ينتظرهن خلفها. مصر كانت واحدةً من أكبر الملاذات، إذ استقبلت ما يزيد على مليوني سودانيٍ منذ اندلاع الحرب، كثيرٌ منهم نساءٌ وأطفالٌ يبحثون عن الأمان بعد أن ضاقت بهم البلاد. هناك، في المدن المصرية، بدأت حكاياتٌ جديدة من الحياة في المنفى: بيوتٌ صغيرةٌ مستأجرة، مدارسٌ جديدة للأطفال، وأعمالٌ متواضعة تحاول أن تعيد شيئًا من التوازن إلى حياةٍ انكسرت فجأة.
مع مرور الوقت، وجدت بعض هؤلاء النساء قدرًا من الاستقرار النسبي. ليس استقرارًا كاملًا، لكنه يشبه هدنةً صغيرةً مع الخوف. أدخلن أبناءهن المدارس، تعلّمن طرق العيش في مدنٍ غريبة، وحاولن أن يخفّفن عن أطفالهنّ ذاكرة القصف والرصاص. غير أن الحنين إلى الوطن ظلّ مثل جرحٍ هادئٍ لا يلتئم.
والآن، بينما ترتفع بعض الأصوات مطالبةً بعودة السودانيين إلى بلادهم، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام سؤالٍ جديدٍ لا يقل قسوةً عن سؤال النزوح نفسه. فالعودة ليست قرارًا بسيطًا، بل طريقًا مليئًا بالعقبات: تكلفة السفر، البيوت التي دُمّرت أو نُهبت، والمدن التي تحولت إلى أطلال. كيف تعود عائلةٌ إلى منزلٍ لم يعد قائمًا؟ وكيف تبدأ امرأةٌ حياةً جديدةً في وطنٍ لم يتعافَ بعد من الحرب؟
كثير من النساء بالكاد استطعن النجاة بأطفالهنّ بعد أن أنفقن ما يملكن. بعضهنّ وصلن إلى مصر بعد أن تركن كل شيء خلفهنّ: البيت، والذكريات، وربما قبور الأحبّة أيضًا. والآن، بعد أن بنين حياةً بسيطةً في الغربة، حتى لو كانت شديدة التواضع، تبدو فكرة العودة بالنسبة لهنّ بدايةً أخرى في كفّ المجهول.
داخل السودان نفسه، تبدو الصورة أشدّ قسوةً. فالحرب لم تسرق البيوت فقط، بل سرقت الأمن والغذاء والدواء. والأرقام لا تكذب: أكثر من 18 مليون شخصٍ يواجهون مستوياتٍ حادّةٍ من الجوع، فيما يقف نحو أكثر من مليون شخصٍ على حافة المجاعة الكارثية، وهي أرقام لم يعرفها السودان في تاريخه الحديث بهذا الحجم.
لكن الألم الأكبر الذي يلاحق النساء لا يظهر دائمًا في الأرقام. فالحرب جعلت أجساد النساء ساحةً أخرى للعنف. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 12.1 مليون امرأة وفتاة في السودان معرضات لخطر العنف الجنسي في ظل انهيار الحماية والخدمات الأساسية.
ومع ذلك، وسط كل هذا الخراب، تظل المرأة السودانية واقفةً. ليست لأنها لا تتعب، بل لأنها تعرف أن تعبها هو آخر خيطٍ يربط الأسرة بالحياة. هي التي تبحث عن الماء حين ينقطع، وعن الطعام حين يقل، وعن الأمل حين يبدو كل شيء مكسورًا. هي التي تحمل أطفالها في طريق النزوح، ثم تحمل مستقبلهم في طريق الحياة.
وهنا تكمن قيمة تجربة النساء السودانيات في مصر، كنموذجٍ واضحٍ لصمود النساء في بلدان النزوح الأخرى. ففي الغربة، يحاولن إعادة بناء حياةٍ كريمة: إيجاد مأوى، تسجيل الأطفال في المدارس، البحث عن فرص عمل، والحفاظ على الحد الأدنى من الأمان النفسي والجسدي لأسرهنّ. تجربة النساء في مصر تظهر كيف يمكن للمرأة السودانية أن تكون عماد العائلة والمجتمع، حتى وسط الغربة والحنين إلى الوطن.
إن صمود المرأة السودانية اليوم ليس مجرّد قصّةٍ معاناة، بل شهادةً حيّةً على قوةٍ إنسانيةٍ نادرة. لكن هل تكفي القوة وحدها؟
في هذا اليوم العالمي للمرأة، ينبغي أن يُسمع صوت النساء السودانيات بوضوح أكبر من أي وقتٍ مضى: لا للحرب، لا للإفلات من العقاب لكل من أجرم بحقهنّ في الحياة. نعم للعدالة، نعم للحماية، نعم لوطنٍ لا تضطر فيه الأمهات إلى تعليم أطفالهنّ معنى النزوح قبل أن يتعلّموا معنى الطفولة.
فالمرأة التي تحمل المجتمع على كتفيها، وتبقي الحياة ممكنةً وسط الركام، لا تستحق الشفقة فقط، بل تستحق مستقبلًا آمنًا ووطنًا يعود إليها، كما تعود الأم دائمًا إلى أطفالها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.