ليست كل حكايات النساء تُروى في الثامن من مارس… بعضها يُكتب بصبرٍ كل يوم

صحيفة الهدف

د. حنان الهادي

قد لا يكون من السهل أن تختزل حكاية النساء في يوم واحد من أيام السنة، فالحكاية أطول من تاريخ، وأعمق من شعار، وأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية التي لا تُكتب غالبًا في الكتب.

في البيوت، وفي الحقول، وفي المكاتب، وفي قاعات الدراسة، كانت النساء دائمًا جزءًا من قصة المجتمع… لا على الهامش، بل في قلبه.
ليس لأنهن يرفعن أصواتهن أكثر، بل لأنهن يملكن قدرة نادرة على الاستمرار.

ربما لا يوجد كائن على هذه الأرض يختبر التحول كما تختبره المرأة. تحمل حياة أخرى تسعة أشهر، يتغير جسدها، تتبدل هرموناتها، ويتسع قلبها ومسؤوليتها، ثم تعود إلى العالم وكأن الحياة بدأت من جديد.

لكن قصة النساء لا تبدأ عند الأمومة، ولا تنتهي عندها.
هي الطالبة التي تجلس في قاعة الدرس، تحاول أن تصنع لنفسها مستقبلًا أوسع مما كان متاحًا لمن قبلها.
وهي الموظفة التي تثبت كفاءتها في عالم لا يمنح الاعتراف بسهولة.
وهي ربة البيت التي تحمل تفاصيل الحياة اليومية بصبرٍ لا يُرى كثيرًا.
وهي بائعة الشارع التي تمسك بيد طفلها، وتبحث في الوقت نفسه عن لقمة عيش.

في كثير من الأحيان، لا تُكتب أسماء هؤلاء النساء في التاريخ، لكن التاريخ نفسه لا يقوم إلا على صبرهن.

قد يختلف شكل الحياة من بلد إلى آخر، لكن التجربة الإنسانية تبدو متشابهة على نحو مدهش.
في ألمانيا أو السودان، في بولندا أو أوغندا، في كوسوفو أو العراق، في القرى الصغيرة أو المدن الكبيرة… تتشابه الحكايات أكثر مما نظن.

امرأة تحاول أن تصنع توازنًا بين العمل والحياة، وأخرى تحارب بصمت من أجل تعليم أبنائها، وثالثة تحاول ببساطة أن تحافظ على كرامتها في عالم لا يكون عادلًا دائمًا.

لكن خلف هذه الصور التي نراها، هناك نساء أخريات لا نراهن كثيرًا.
نساء ينتظرن في قاعات المحاكم والسجون بحثًا عن إنصاف.
ونساء وجدن أنفسهن بعيدات عن أوطانهن، يكتشفن أن الغربة يمكن أن تكون سجنًا واسعًا بلا جدران.
وهناك أيضًا طفلات وفتيات ونساء تعرضن لانتهاكات قاسية، منها الاغتصاب، في حروبٍ أو في صمت مجتمعاتٍ لم تتعلم بعد كيف تحمي الأضعف.

وفتيات صغيرات كبرن في الملاجئ ودور الرعاية، بعد أن تخلى عنهن العالم مبكرًا؛ مرة باسم الفقر، ومرة باسم ما يسميه الناس “العار”، ومرة بسبب قسوة لا تجد تفسيرًا.

وهناك أيضًا نساء كثيرات لم يصلن إلى الأماكن التي يستحققنها، لا لنقصٍ في القدرة، بل لأن الطريق أمامهن كان أكثر وعورة مما ينبغي.

ومع ذلك، فإن ما يميز النساء عبر هذه التجارب ليس الصراع وحده، بل المرونة.
فالمرأة، في كثير من الأحيان، تشبه الشجرة التي تعرف كيف تنحني أمام الرياح القوية حتى تمر العاصفة… ثم تعود أكثر ثباتًا وخبرة.

ليست القوة دائمًا صاخبة. أحيانًا تكون القوة في الصبر، وفي الاستمرار، وفي القدرة على البدء من جديد.

ولهذا، حين يأتي الثامن من مارس من كل عام، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس كيف نحتفل بالنساء، بل كيف نفهم الحكاية الطويلة التي صنعنها بصمت.

فالنساء لم يصنعن الحياة في يوم واحد…
بل صنعنها في كل يوم.

ربما لا تستطيع الأيام العالمية أن تنصف النساء… لكنها تذكرنا على الأقل بأن هناك حكايات كثيرة لم تُروَ بعد..
ولهذا، فإن يوم المرأة ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل تذكير بأن هناك قصصًا كثيرة لم تُحكَ بعد، وحقوقًا لم تكتمل، وأصواتًا لا تزال تنتظر أن تُسمع.

الأحد: 8 مارس 2026.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.