نزيهة البكري
بين زمن (الدهباية) و(دكين) وما تقدمه الشاشة اليوم من دراما، مسافة لا تُقاس بالسنوات، بل بروح الفن وعمق الهوية.
تعيش الدراما السودانية اليوم حالة من المخاض العسير المجافي، حيث تسعى جاهدة لإعادة تعريف حضورها في المشهد الثقافي، محاولةً القفز فوق أسوار الإمكانيات المحدودة نحو خطاب بصري يواكب العصر، لكنها في خضم هذا السعي تبدو وكأنها فقدت بوصلة “الأصالة” التي جعلت من أعمال الرعيل الأول أيقونات خالدة في ذاكرة الشعب.
إن استرجاع أسماء مثل (وهج الشفق) و(أقمار الضواحي)، وصولًا إلى مدرسة الراحل الفاضل سعيد وعفويته المفرطة في (موت الضأن) و(بت قضيم)، يضعنا أمام تساؤل مرير حول الفجوة الكبيرة بين الماضي والحاضر.. فرغم أن الإنتاج الدرامي في السنوات الست الأخيرة شهد طفرة مادية واضحة، وصرفًا سخّيًا على التقنيات لتبدو الأعمال في حلة تضاهي الحداثة، إلا أن النتيجة ظلت عاجزة عن كسر “الحاجز الصلب” لتلتحق بقائمة الملاحم الدرامية.
الغريب أن الواقع السوداني المعاصر، بما يحمله من تقلّبات وأحداث جسيمة، بات رواية خيالية مشوّقة بحد ذاته، لا تحتاج إلا إلى توظيف درامي حكيم، ومع ذلك فشلت مسلسلات مثل (حنين)، (غريب)، (خط أحمر)، و(حكايات المنطقة X) في ملامسة وجدان الشارع بالقدر الذي فعله مسلسل (سكّة خطر) مثلًا.
المسألة ليست مجرد كاميرات حديثة أو شاشات عرض براقة، بل هي “روح الفن والفنان” وتلقائية الأداء التي يبدو أنها تلاشت خلف أقنعة التصنّع.
ما ينقص الدراما السودانية اليوم هو الاقتناع التام بأنه “لا بديل للثقافة السودانية إلا الثقافة السودانية”. لقد غرقت الأعمال الحديثة في محاولات بائسة لتقليد ثقافات أخرى، سواء عبر لغة لا تشبه لهجتنا المميّزة، أو أزياء وتصرفات لا صلة لها بواقع الشارع السوداني المحافظ.
إن الهروب من الهوية نحو “الزخم البصري” والوجوه التي تعتمد على الشكل لا الموهبة، جعل الدراما تفقد صبغتها الإنسانية. فالفن السوداني الحقيقي يكمن في الحكايات الشعبية الحقيقة والمعتقدات المتجذّرة، وليس في استنساخ قوالب جاهزة لا تشبهنا، فالجمهور لا يبحث عن “تجميل الواقع” بقدر ما يبحث عن “صدق” ما يراه.
إنّ معضلة الدراما السودانية اليوم ليست في قلّة الإمكانيات، بل في “اغتراب الروح”؛ فالحداثة التي تستلف وجهًا غير وجهنا ولغةً لا تشبه زوارقنا ستظل جسمًا غريبًا في ذاكرة الشعب. ولن يكسر حاجز العزلة التي تعيشها الدراما السودانية اليوم إلا العودة إلى “السودانوية” الصرفة، فالفن الذي لا يتنفس من تراب أرضه محكوم عليه بالبقاء باهتًا خلف شاشات العرض، لا في قلوب الناس وذاكرتهم..

Leave a Reply