مجدي علي
#ملف_الهدف_الثقافي
كأن الزيتونة في بيرزيت انحنت قليلًا ذلك المساء، وكأن صوتًا جهوريًا كان يملأ الأثير قرر أن يستريح.
في الجمعة 27 فبراير 2026، عند السادسة مساءً، غيّب الموت الشاعر الفلسطيني أديب ناصر في عمّان، بعد معاناةٍ مع المرض، فأسدل ستار رحلةٍ امتدت ستةً وثمانين عامًا من العطاء، تاركًا وراءه سيرةً من الكلمات التي لم تنحنِ، ومواقفَ لم تتراجع خطوةً عن فلسطين.
وُلد أديب ناصر عام 1939 في بيرزيت، على مقربةٍ من رام الله، في بيئةٍ تشبّعت بالوعي الوطني مبكرًا. حمل شغفه بالفكر والسياسة إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1959، ثم إلى الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1965، دارسًا العلوم السياسية. غير أن دراسته الأكاديمية لم تكن سوى مدخلٍ إلى ساحةٍ أوسع، حيث الكلمةُ تشتبك مع الواقع، وحيث يصبح الشعرُ صيغةً أخرى للنضال.
بدأ مسيرته الإعلامية من إذاعة رام الله، ثم تنقّل بين عمّان والقاهرة وجدّة وبيروت وبغداد، حيث استقر طويلًا، وكان واحدًا من ألمع الأصوات الإذاعية في النصف الثاني من القرن العشرين. عرفه الناس بصوته الجهوري، وبحضوره الواثق، وبقدرته على تحويل الميكروفون إلى منبرٍ وطني.
في العراق، ترأس اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين، وكان عضوًا في الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ورابطة الكتّاب الأردنيين، ونقابة الصحفيين العراقيين، وعضوًا في الاتحاد العام للكتّاب في العراق حتى العام 2003. جمع بين القصيدة والعمل الثقافي المؤسسي، وبين الانتماء والممارسة اليومية للفعل الوطني.
لُقّب بـ(شاعر القادسية) و(شاعر أم المعارك)، بما كتبه من أشعارٍ تحولت إلى أهازيجَ شعبيةٍ وأناشيدَ وطنيةٍ مغنّاة، تلهج بها الألسن وتموج بها الجموع باعتدادٍ وثقةٍ بالنصر والقائد، وارتبط بعلاقةٍ خاصةٍ بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي منحه هذا اللقب وكتب فيه قصيدةَ مديحٍ. غير أن أديب ناصر بقي، قبل كل الألقاب، شاعرَ فلسطين أولًا، وشاعرَ العروبة التي رآها جسدًا واحدًا، تتعانق فيه النخلة العراقية مع زيتونة فلسطين.
ترك سبعَ مجموعاتٍ شعريةٍ بارزة، إلى جانب مسرحيةٍ شعريةٍ بعنوان (زبيبة والملك)، فيما تشير شهاداتٌ أخرى إلى ما يقارب عشرين إصدارًا بين شعرٍ ومذكراتٍ، من بينها ديوان (القدس) الذي تجلّى فيه البعد العربي القومي بوضوحٍ، في مزجٍ مقصودٍ بين النخلة والزيتون، تعبيرًا عن إيمانه بأن الأمة العربية كيانٌ واحدٌ لا يتجزأ. وظلت المقاومةُ والتحريرُ والقدسُ والعودةُ ومعاناةُ الفلسطيني في الملاجئ والمهاجر والخيام تتصدر عناوينَ وجوهرَ أشعاره، كما أصدر مذكراته (زيتونة الجبل) مستعيدًا فيها مسيرته بين الوطن والمنفى.
أجاد البناءَ العموديَّ للقصيدة العربية وأخلص لإيقاعها الصارم، لكنه لم يغلق الباب أمام الحداثة، فكتب التفعيلةَ والنثرَ، مؤمنًا أن الشكل يتبدل، أما جوهر الشعر فثابتٌ: الصدقُ والانحيازُ. في قصائده حضرت بغداد كما حضرت القدس وبيرزيت، ومشى الحنين إلى جانب الصمود والمقاومة. كتب يومًا:
“سَلِّم على بغداد يا سلام
على النخيل والقباب البارقات والحمام”
لم يكن يكتب مدحًا عابرًا، بل كان يكتب وفاءً، ويرى في المدن ذاكرةً، وفي الذاكرة وطنًا مؤجلًا. ظلّ مؤمنًا أن الشعر موقفٌ، وأن الحرف إذا لم ينحز للحق صار زينةً لغويةً لا أكثر.
برحيله، تفقد الثقافة الفلسطينية والعربية صوتًا ظلّ حاضرًا في المنابر والإذاعات والكتب، لكن الأثر لا يُغيَّب. سيبقى اسمه مقترنًا بالقصيدة العمودية الصلبة، وبالانحياز الواضح لفلسطين وقضايا الأمة والمصير العربي، وبالإيمان العميق بأن الكلمة تستطيع أن تصون الهوية من التآكل، قبل أن تعبّر عنها.
رحل الجسد، وبقيت القصيدة، ونبلُ المواقف، ونبرةُ صوتٍ لا تتلاشى في الأثير.
مضى أبو وسام تاركًا لنا إرثًا من الحبر والذاكرة، ووصيةً غير مكتوبةٍ تقول إن الوطن فكرةٌ لا تموت، وإن الشعراء الذين يسكنون الناس لا يغيبون.
نم قريرَ القصيدة يا أبا وسام، فقد أنجزت وعدك، حلمَ الملايين الذين يعضّون عليه بالنواجذ حتى التحرير ومطلع الفرح.

Leave a Reply