هموم: رمضان في السودان

صحيفة الهدف

مجدي علي

لم يَعُدْ رمضانُ أحلى في السودان، بل لعلّ السودانَ نفسه لم يَعُدْ أحلى في السودان.
لمستُ دمعةً طفرت من عيني وأنا أُدقّق النظر في صينية رجلٍ يمضي للإفطار مع الجماعة في الشارع. لم تكن الصينية تحمل سوى صحنٍ واحدٍ وجكّ وحيد. لا تمرٌ يسبق الأذان، ولا عصير يبرّد الحلق، ولا أصناف تُشي بسعة الحال. حدٌّ أدنى من المشاركة، كأنّ الرجل يحمل معنى الإفطار لا طعامه.
وأخال أنّ ذات الدمعة طفرت من أعينكم وأنتم تتابعون صفوف الرجال والنساء والأطفال قبل أذان المغرب، في انتظار صحن بليلة يخفّف وطأة صيام يوم طويل، ربما بدأ بلا عشاء أو سحور.
في بعض الأحياء، لم يبقَ إلا المطابخ الخيرية، تنهض كأنّها شرايين حياة في زمن العوز والمسغبة. قدورٌ قليلة، وصفوفٌ تطول، ووجوهٌ تتقاسم الانتظار كما تتقاسم الرجاء. ليس في المشهد ما يشي بالخجل؛ هو حدٌّ أدنى من رحمة الإنسان بأخيه حين يضيق الرزق.. الطعام يُؤخذ بشكرٍ صامت، والكرامة تُصان بقدر المستطاع.. هنا يصبح الإفطار فعل حياة ومحبة قبل أن يكون وجبة. قلتُ في سرّي “لعن الله الميديا التي لم تعد تُحسن سوى نقل الأحزان”، لكن الواقع أعظم من هذه الصور العابرة؛ واقع يطرق العيون طرقًا موجعًا في كل حين..
لم يَعُد رمضان موسمًا للسكينة والسعة التي تتنزّل على البيوت قبل الأذان، ولا موعدًا صافيًا لاجتماع الناس وقد أوجعهم الفقد. صار يأتي مثقلًا، كأنّه يعبر فوق أرضٍ أنهكها السير، ويتلفّت حوله قبل أن يطرق الأبواب، ويتحسّس خطاه في مدنٍ لم تبرأ جروحها بعد.
مشاهد تدمي القلب وتستدعي الدعاء: اللهم اشقق على من وليّ من أمر هؤلاء الأبرياء فشقّ عليهم، وحرمهم حقهم أن يفطروا كما يفطر الناس. فرمضان، بطبيعته، شهرٌ تتسع فيه الحاجات لا إسرافًا بل اجتماعًا، هكذا اعتاد الناس في السودان: أن تُبسط الموائد، وتحضّر الأصناف وتتعدّد.
لكنّ السنوات الأخيرة لم تمضِ عادية؛ الحرب كتبت فصولها القاسية، والحاجة لم تعد عارضًا عابرًا، والفقر صار سمة يومية، ثم جاء الجشع ليكتب ما تبقّى من المأساة. العائلات التي عادت بعد نزوح طويل استقبلت رمضان بحذر وخوف، تعيد صيانة غرفٍ أصابها الخراب، وتحاول ترتيب أولوياتٍ أصابها الارتباك. فالعودة لم تكن استعادة حياة كاملة، بل محاولة الحفاظ على ما تبقّى من كرامة على أرضٍ ما تزال هشّة..
كيلة الدقيق صعبة المنال، والزيت يُقاس بالقطرة، والسكر صار غاليًا، كل لقمة محسوبة، وكل جرعة طعام تأتي بعد معاناة.
وراء هذا الألم ما زالت تقف حربٌ تشتعل ولم تبرأ آثارها بعد. طرق إمداد تعطّلت، وأسواقٌ استُهدفت، وأحياءٌ حوصرت طويلًا. ملايين تنقّلوا قسرًا، وبعضهم ما زال هائمًا بعد أن صعب عليه درب العودة.
في دارفور وكردفان تبدو الصورة أكثر قتامة؛ القلق الغذائي ليس مصطلحًا في تقرير أو خبر، بل وجوهٌ أنهكها التشرّد، وأطباقٌ أقل وربما تنعدم، وأمهاتٌ حار دليلهن، وأطفالٌ أنهكهم الانتظار. وحين تمشي الأزمة على الأرض، تصير أجسادًا أضعف وعيونًا غائرة.
مع كل هذا الألم يتشبّث الناس بالحياة: يصلّون، ويسبّحون، ويقرؤون ما تيسّر من القرآن، وعند الأذان يشاركون الجيران ما توفّر..
الفرح ليس غائبًا، لكنه صار مقتصدًا، يمرّ بخفّة خشية أن يوقظ الألم. هو فرحٌ منقوص لكنه عنيد، عناد الحياة وهي تُصرّ أن تبقى حياة.
ما تزال القلوب عامرة، الطرقات تشهد موائد متواضعة يفترشها العابرون. تمرّ التمرة واللقمة من يدٍ إلى يد، كأنّها إعلان صامت بأنّ الخير لم ينقطع. يتبادل الناس القليل كما لو أنّه أطباق عامرة، ويتواصى الرجال بالصبر كما لو أنّ الصبر نفسه زادٌ يُقتسَم.
لعلّ رمضان لم يعد أحلى في السودان، لكنّ السودان، في قدرته على الاحتمال، ما يزال يخبّئ سرّه القديم: أنّ الناس هنا، حين تشتدّ الخطوب، يتكئون على بعضهم بعضًا، ويصنعون من الألم حياةً، ومن الشظف كرامةً، ومن الدعاء وعدًا مؤجّلًا بفجر أقل قسوة.
اللهم ألطف بهم وترفّق، وجازي صبرهم أحسن الجزاء..
تعصى الكلمات، وتعلق اللقمة في حلوقنا نحن البعيدين، عند كل أذان للإفطار.
وا حرّ قلبي على وطنٍ عظيمٍ، لا يستحق هذا المآل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.