#الجيش_والنهضة_الحضارية_للدولة

صحيفة الهدف

#بقلم_الدكتور_أحمد_شوتري

إن الحديث عن الجيش الوطني في التجربة الجزائرية هو حديث عن التاريخ وهو يتحول إلى إرادة سياسية، وعن الذاكرة الوطنية وهي تصير مشروع مستقبل. فالدولة ليست مجرد جهاز إداري يدير المجتمع، بل هي كيان حضاري يولد من تفاعل الشعب مع تاريخه، ويستمر بفضل المؤسسات التي تحمي وجوده المادي والرمزي في آن واحد.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الأمم لا تنهض بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالمعرفة المجردة وحدها، بل بالتحالف الاستراتيجي بين الوعي الفكري والانضباط المؤسسي. ومن هنا تأتي مكانة المؤسسة العسكرية في بناء الدولة الحديثة، حيث تتحول من مجرد جهاز دفاعي إلى مؤسسة تحفظ توازن الأمة بين الذاكرة التاريخية والتحديات الجيوسياسية المعاصرة.

وفي التجربة الجزائرية، برز هذا المعنى بوضوح في المشروع السياسي للدولة الوطنية الذي ارتبط برؤية الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي كان ينظر إلى الدولة باعتبارها مشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا ينفصل فيه الأمن عن التنمية، ولا الاستقلال السياسي عن القوة الاقتصادية والمعرفية. لقد كان يؤمن أن الجيش ليس فقط حارس الحدود، بل حارس السيادة الفكرية والاستراتيجية للدولة.

إن التحديات التي تواجه الدول في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الصراعات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تشمل حروب الوعي، والصراع على الهيمنة التكنولوجية، والتنافس على امتلاك المعرفة. لذلك فإن الضابط المعاصر لم يعد مجرد قائد ميداني، بل أصبح جزءًا من النخبة الاستراتيجية للدولة، يجمع بين الثقافة العلمية والانضباط العسكري والوعي السياسي المتوازن.

ومن منظور فلسفي أعمق، يمكن القول إن الجيش هو التعبير المنظم عن إرادة البقاء التاريخي للأمة. فهو المؤسسة التي تحوّل العاطفة الوطنية إلى قوة مؤسساتية منظمة، وتحول التضحيات الفردية إلى مشروع جماعي لحماية الدولة واستمرارها عبر الزمن. فالأمن الوطني ليس مجرد مفهوم تقني، بل هو مفهوم حضاري شامل يرتبط بالهوية، والثقافة، والاستقرار الاجتماعي.

إن وجود جيل من الضباط ذوي التكوين الجامعي يمثل مؤشرًا على تطور الدولة الوطنية، لأن المعرفة العلمية تمنح القائد قدرة أعلى على التحليل الاستراتيجي، وفهم التحولات الدولية، واتخاذ القرار المبني على قراءة عقلانية للواقع، بعيدًا عن الارتجال أو القرارات اللحظية.

إن القوة الحقيقية للدولة الحديثة لا تكمن في قدرتها على الردع العسكري فقط، بل في قدرتها على إنتاج مجتمع متماسك، واقتصاد قوي، ومؤسسات محترفة، ونخبة قيادية واعية بتاريخها ومسؤولياتها التاريخية. فالدولة التي تجمع بين قوة المؤسسة العسكرية وعمق مشروعها الحضاري هي الدولة الأكثر قدرة على الاستمرار عبر الأجيال.

وفي النهاية، يبقى الجيش الوطني الجزائري رمزًا للذاكرة التاريخية للأمة، وجسرًا بين تضحيات الماضي وطموحات المستقبل، وحارسًا لمشروع الدولة التي تحولت من ساحة مقاومة إلى فضاء لبناء الحضارة الوطنية الحديثة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.