أمجد أحمد السيد
في لحظات الانكسار الوطني الكبرى، حين تضيق البلاد بأهلها وتضيق الأرواح بثقل الفقد، يعود الفن ليؤدي دوره الأصيل، أن يكون ضميرًا حيًّا وصوتًا لما لا يُقال. في هذا السياق تتجلّى أغنية (يا ضلّنا)، كلمات الشاعر يحيى فضل الله، وألحان وأداء مصطفى سيد أحمد، كنصٍّ شعريٍّ يتجاوز العاطفة الفردية ليعانق سؤال الوطن بين الحرب والسلام.
يا ضلّنا المرسوم على رمل المسافة
وشاكي من طول الطريق
الظل هنا ليس حبيبًا غائبًا فحسب، بل صورة لوطنٍ مرسوم على رمل المسافة، وطنٍ مهددٍ بالمحو، هشٍّ تحت أقدام الصراع.
“رمل المسافة” يوحي بعدم الاستقرار، وكأن البلاد تسير فوق أرضٍ متحركة، لا يثبت فيها سلامٌ ولا تستقر فيها طمأنينة. أما “طول الطريق” فهو زمن الحرب الممتد، الذي يستنزف الأرواح ويُثقِل الذاكرة.
قول للبنية الخايفة من نار الحروف
تحرق بيوتات الفريق
في أزمنة القمع والاقتتال، تصبح الكلمة نفسها موضع خوف. الحروف قد تُحرّك ساكنًا، تكشف ظلمًا، أو تفضح بنية الخراب. لذلك تُخشى ويُراد لها أن تصمت. لكن الشاعر لا ينحاز إلى الخوف، بل يطمئن:
قول ليها ما تتخوفي
دي النسمة بتجيب الأمل
والأمل بيصبح رفيق
من النار إلى النسمة، من الاحتراق إلى الرجاء. هنا يتحوّل النص إلى بيانٍ ثقافي ضد الاستسلام؛ فالأمل ليس وهمًا، بل رفيق دربٍ طويل، وشرطٌ أوليّ لأي مشروع سلامٍ حقيقي.
والأصلو في الجوف اندفن
لا بتنسى لا بنمّحي
لا بنتهي منو الحريق
هذه الأسطر تضع يدها على جوهر أزمة المجتمعات الخارجة من الحرب: هل يمكن دفن الألم دون عدالة؟ الشاعر يقول بوضوح إن ما اندفن في الجوف لا يُمحى، والحريق يستمر ما لم يُعترف به ويُعالَج. وهنا تبرز أهمية السلام القائم على الحقيقة والمصالحة، لا على مجرد إسكات البنادق.
والقبيل راجنو نحنا
يوم تبشّر بيهو غيمة
لما تمطر يوم علينا
الفرح يملا المدينة
الغيمة في النص ليست ظاهرة طبيعية، بل أفقٌ سياسي وأخلاقي. هي بشارة بمرحلة جديدة، بمطرٍ يغسل غبار الحرب، ويعيد للمدينة حقها في الفرح. واللافت أن الفرح هنا جماعي “يملا المدينة”، لا “يملا قلبي”، سلامٌ شامل لا فردي.
لم يكن مصطفى سيد أحمد مجرد مطرب، بل حالة وعي. صوته المجبول بالشجن والكرامة حوّل (يا ضلّنا) إلى نشيدٍ داخلي لكل من يحلم بوطنٍ يتعافى. أداؤه لا يستدر الدموع بقدر ما يستنهض الصمود، ويذكّر بأن الثقافة قادرة على أن تكون جسرًا بين الألم والرجاء.
(يا ضلّنا) ليست أغنية حنينٍ عابر، بل نصٌّ يقف في المسافة الفاصلة بين الحرب والسلام. هي اعتراف بالحريق، وتمسّك بالنسمة، وإيمان بالغيمة القادمة. وفي زمنٍ تتشظّى فيه المدن وتثقل فيه الأرواح، يبقى الفن، كما أراده يحيى فضل الله وغنّاه مصطفى سيد أحمد، مساحةً للحلم، وذاكرةً تقاوم النسيان، وبوصلةً تشير دائمًا إلى مدينةٍ ينتظرها الفرح.

Leave a Reply