زكريا نمر
كاتب من جنوب السودان
كانت أمي، منذ أسابيع، تنظر إليّ بنظرة لا تخلو من القلق الممزوج باتهام غير معلن. كأنما العمر يركض هارباً، وأنا واقف في مكاني، مكتوف اليدين، أراقب عجلة الزمن تدور من حولي ببطء مستفز. وفي مساءات البيت الهادئة، حين تخفت الأصوات وتنسحب ضوضاء النهار، تفتح أمّي سجلها القديم من النصائح وتقول بصوت أقرب للدعاء منه إلى الحوار: “يا بني، ألا تفكّر في الزواج؟ لا أريد أن يفوتك القطار”.
ابتسم لها.. ابتسامة رجل يعرف تماماً أن القطار ليس فقط قد فاته، بل مر فوقه ثم رحل دون أن يلاحظ أحد. كانت أمّي تتحدث عن زوجة المستقبل، بينما أنا أتذكّر آخر ليلة تسلّلت فيها إلى المطبخ كجندي مهزوم يبحث عن آخر ذخيرة في معركة خاسرة. لم تكن لدي أحلام كبيرة أو أهداف عظيمة. كل ما أردته تلك الليلة: سيجارة واحدة، اختلسها من علبة أبي التي يحرسها كما تحرس خزائن الذهب في الدكاكين القديمة.
تقدّمت نحو المطبخ بخطوات محسوبة، أنفاس قصيرة، وقلب يخفق كطبول ح.رب مجهولة النتيجة. فتحت الباب برفق شديد، كأني أخشى إيقاظ الطناجر النائمة، ثم مددت يدي نحو الثلاجة، حيث يخبئ أبي كنزه الأبيض ذو الرائحة الملعونة. وفي اللحظة التي قبضت فيها على العلبة، خطر لي سؤال أمي. فقلت في نفسي بسخرية مرّة: “يا هذا.. إذا كنت عاجزاً عن شراء علبة سجائر، فكيف ستشتري ذهباً، وبدلة، وصالة، وشبكة، وحياة كاملة؟”.
أمّي تتخيل أن سبب تأخري هو أنني مثالي، أو رومانسي، أو أبحث عن امرأة بمواصفات خيالية. تتخيلني شاعراً حالماً يبحث عن قلب يشبه قصائد نزار. لو تعلم الحقيقة لضحكت حتى فاضت دموع السخرية من عينيها. فالمرأة المناسبة بالنسبة لي هذه الأيام ليست امرأة أحلام ولا نار ولا هوى، بل ابنة صاحب محل السجائر الذي يمنح خصومات نهاية الشهر.
لو تعلم أمّي كيف ينطفئ نور الرجولة داخلي كلما سمعت خطوات أبي تقترب من المطبخ، لعرفت أن مشروع الزواج أبعد عني من القمر. أبي ليس متشدّداً، لكنه يعرف عدد السجائر في علبته بدقّة أكثر مما يعرف عدد ذكرياتي في رأسي. كل سيجارة تنقص تتحوّل إلى تحقيق مطوّل: من دخل المطبخ؟ من لمس العلبة؟ من لا يحترم ممتلكات الآخرين؟ وكنت أقف أمامه بملامح بريئة جداً.. بريئة لدرجة تثير الشك.
ولكي يمنع اللصوص المفترضين، قام بتركيب كاميرا صغيرة في زاوية المطبخ؛ كاميرا لا ترحم ولا تنسى. تراقب الليل كما يراقب الحارس آخر باب في المدينة. وهنا فهمت الحقيقة القاسية: المشكلة ليست الزواج، ولا المال، بل الكاميرا. كاميرا صارت أكبر عائق نفسي واجتماعي وروحي في حياتي.
أمّي تريدني عريساً، وأبي يريدني صادقاً، والحياة تريدني مقتدراً.. وأنا، أريد فقط أن أعبر المطبخ بسلام دون أن يسجلني التاريخ لصاً يبحث عن سيجارة. وحين تعود أمّي لتسألني بحنان: “متى تفرحني يا ولدي؟” ابتسم كما يبتسم رجل يعرف أن العالم كله صار كاميرا مراقبة، وأقول: “قريب يا أمي.. قريب إن شاء الله”. لكن بيني وبين نفسي أعلم أن الزواج يحتاج إلى استعداد.. وأنا ما زلت أعجز عن النجاة من كاميرا أبي.

Leave a Reply