عبد المنعم مختار
يمر عامٌ كامل، وما زال مقعدك فارغاً إلا من حضورك. كأن الغياب، حين يطول، لا يعلّم القلب النسيان، بل يدرّبه على الفقد، لكن كلما هدأت الأوجاع يطل نحل الأيام بلسعة حزن قارصة. يا معاوية، يا صديقي وحبيبي ورفيق دربي، ما أثقل هذه الذكرى، وما أدفأ ما تثيره من وجعٍ يشبهك. عرفتك في الجامعة، متقد الذكاء، حاد الذاكرة، ودوداً جداً، حيّاً حدّ الإدهاش، متواضعاً بغير ضعف.

في جمعية حنظلة، حيث كنا نحلم علناً ونختلف بشغف، ونؤمن أن الثقافة فعل مقاومة، في الأسبوع الثقافي، في 21 أكتوبر، وفي الكورال مع: كمندجو، والنذير الصادق، وعاطف ديدي، والباقر، عثمان سعد، حنان الهادي وصافيناز، ومنى حيمورة، وهالة، وأميرة إبراهيم، ورهام، وحاتم داوود، وعمار الهادي، وجمال خالد، ومصطفى كشة، ومبارك الرضي، وأمين حسن.. وعلى خشبات المسرح مع: أبو عبيدة، والصاروخ، وعبد الناصر، وحنان جوبا. ومع الجدارية التي خطّها كمندجو، مالك برير وأمير، كنتَ حاضراً كأنك الفكرة نفسها. حولك التفّ عثمان سعد، وصال، عبد الحميد، وود أب حمد، وسامي الدرديري، وآخرون، وصارت الرفقة وطناً مؤقتاً لكنه صادق.
في (#ملف_الهدف_الثقافي) لم تكن تكتب فقط، بل تفتح الأبواب ليلج منها آخرون، وكانت مساهماتك جسوراً عبر عليها كثيرون نحو مسيرة الوعي والتنوير: هيثم الشفيع، وصال الشفيع، ياسر حافظ، كيمو العجيب، صديق أنصاري، ومبارك مامان.. والقائمة تطول بلا وصاية ولا ادعاء. وبذات السخاء بذلت علمك الطبي، أنت وحرمك المصون د. سلمى، للمعارف والغرباء والمحتاجين، بلا أجر ولا منّة، كأن المعرفة عندك لا تكتمل إلا إذا صارت حقاً مشاعاً. وحتى مطبخك كان امتداداً لروحك: طبخاتك العجيبة تجمع الناس حول المائدة كما تجمعهم حول الفكرة.
ناضلنا معاً ضد زيف الإسلام السياسي، ودفعنا الثمن: معتقلات 114، زنازين الأمن كوبر، والمحكمة. كنتَ صلباً بلا ضجيج. اغتربتَ تحت ضغوط المتربصين وتربص العسس، ثم عدتَ مع انتفاضة سبتمبر، حاملاً أملاً متعباً. وفي الفترة الانتقالية، رأيتك تتأرجح بين الآمال والخيبات، لكنك لم تفقد إيمانك بالناس ولا بالمعنى.
أما (مكابدات السناري)، فكانت مرآتك الأوضح. مجموعة حيّرت كثيرين لأنها لم تشبه السائد، ولم تطلب التصفيق. والأشد إيلاماً، يا صديقي، أن العمل النقدي العميق الذي أنجزه عبد الله رزق والبروفيسور محمد المهدي بشري لم يكتمل إلا في لحظة تدشينها، بعد رحيلك. بذل د. أسامة، ود. ياسر ميرغني، ود. عبد الله أرباب، وأبو عبيدة، وحافظ الشيخ، وود الليثي، وعثمان سعد، وود أب حمد، وكيمو.. وغيرهم، جهداً نبيلاً كي ترى المجموعة النور، فأنجز عبد الله رزق والبروفيسور محمد المهدي بشري المقدمة والتدشين، وبذل صلاح النعمان الغالي والرخيص، فوقف الجميع مشدوهين: كيف لا يُكتشف هذا العبقري إلا بعد أن غاب؟ أي ظلمٍ هذا الذي يؤجل الاعتراف حتى يصير العزاء هو المنبر؟
عبرك توطدت صداقاتي مع د. أسامة، مامان، د. مبارك، أنصاري، منتصر دنقلا. وبين كل هذا الجِد، كنا نسرق للفرح فسحة صغيرة: شغفنا بميسي، ببرشلونة وليفربول، ومكايداتنا الودودة لناس الريال والسيتي، ضحكٌ كان يخفّف وطأة الأيام. رحلتَ بعد يومين من سفرك، فتلقى هيثم وإنصاف وسلمى حافظ وياسر وياسر وكيمو والجميع الفاجعة دفعة واحدة. أما أنا، فكانت ورطتي الكبرى أنني الوحيد الذي لازمك حتى الرمق الأخير، أحمل ثقل الوداع وأمانته.
يا معاوية، الح.رب لا تسرق الأحلام فقط، بل تسرق أعز ما نملك: الأصدقاء. أخذتك ق.ذيفة عمياء، لكنك تركت لنا درباً مضيئاً بالمعنى. في مقامك لا تُقال المراثي، بل تُهمس المحبة. لا أرثيك، بل ألوّح لك بتلويحة عاشقٍ أخيرة.. لم تكتمل، لأنك ما زلت هنا.

Leave a Reply