محمد إبراهيم – عبد المنعم مختار

عصام عبد السلام: الشعر وحده لن يعيد النازحين.. لكنه يحتاج إلى حرية، وشعراء يرفضون الاصطفاف الضيق
محمد نجيب محمد علي: جميع الثقافات يجب أن تجد موقعها العادل في الهوية الوطنية، وهذه مهمة يتقاسمها مع الإعلام
أسامة سليمان: الشعر يفتح أفق الحلم مختلف ويوقظ شموس المستقبل، ليس علينا أن نطالبه بثمار آنية، إنه يعمل في العمق
محمد عزوز: الشعر حافظ الهوية الصارم؛ هو “الثلاجة” التي تحفظ نموذجنا الأسمى في مواجهة التشويه
وحالة بلادنا التي يتقاذفها التشظٍّ والتمزّق والانتهاكات، تحرضنا على طرح سؤال موضوعي: إلى أيِّ مدى يستطيع الشعر أن يُسهم في ترميم الهوية الوطنية المستهدفة بخطاب التجييش والتعبئة للاقتت.ال العبثي، وبما خلّفته الح.رب من تهجيرٍ ونزوحٍ ومنافي وغربة؟
فبين رصاصٍ يخترق الأجساد، وكلماتٍ تخترق الوعي، يقف الشعر في منطقةٍ حرجة من التاريخ السوداني؛ لا يملك أن يوقف الح.رب، لكنه يملك أن يُسائل معناها، ويحفظ ما يتساقط من الذاكرة، ويعيد تعريف الوطن خارج خرائط البنادق. في هذا الاستطلاع، يقدّم نخبة من الشعراء السودانيين رؤاهم حول دور الشعر في لحظة الانكسار الوطني: هل هو عزاء؟ أم مقاومة؟ أم وعدٌ مؤجّل ببناء وعيٍ جديد؟
تباينت الآراء وتقاطعت عند حقيقة جوهرية: الشعر لا يُنهي الح.رب، لكنه يحرس المعنى، ويصون الذاكرة، ويُعيد تشكيل اللغة، ويزرع بذور وعي طويل الأمد. بين أثر بطيء يتراكم في الأعماق وموقف أخلاقي يرفض الاصطفاف الضيق.. لنتابع إفاداتهم:
الشاعر محمد نجيب محمد علي:

أثر الح.رب الأخطر يكمن في ما تخلّفه من لغاتٍ دخيلة تُشوّه الوعي وتعيد تشكيله. فاللغة حاملة الفكر ومرآته. مثال: كلمات مثل “شفشفة” التي تناقض الشفافية، و”بل بس” التي تُلغي فكرة الحوار من أساسه. هذه المفردات ليست عابرة؛ إنها تعبّر عن مناخٍ ثقافي واجتماعي أنتجها، وتؤثّر في تشكيل السلوك الجمعي. الشعراء والإعلاميون مسؤولون عن التفكير في هذه اللغة: من أين جاءت؟ وما البيئة التي أنبتتها؟ وكيف يمكن تفكيكها؟ هذه المفردات ستفقد أثرها بزوال الح.رب ولن تجد مكاناً في الذاكرة السودانية حين يستعاد السلام. ضرورة تعافٍ وطني وثقافي وتصافٍ مجتمعي يُرسّخ الوطنية الحقّة بعيداً عن الهيمنة السياسية. الاشتغال على ثقافة السلام وألّا تُعزل أي ثقافة من مكوّنات المجتمع السوداني، حتى لو شاركت عناصر منها في التمرّد، لأن الإقصاء يُنتج كراهية جديدة. الشعر، بوصفه فعلاً إنسانياً، يمكن أن يسهم بقوة في الانتقال من الح.رب إلى السلام، لأنه في الأساس ضد الح.رب. جميع الثقافات السودانية يجب أن تجد موقعها العادل في الهوية الوطنية، وهي مهمة يتقاسمها الشعر والإعلام معاً.
الشاعر عصام عبد السلام:

الشعر وسيلة مقاومة مدنية. لا يوقف الرصاص، لكنه يُغيّر ما يدور في وعي الناس، وهناك يبدأ أثره الحقيقي. الشعر يعيد تعريف الهوية، لأن خطاب التجييش يصنع هويةً ضيقة تقوم على الخوف والعداء، بينما تبني القصيدة هويةً أوسع تستند إلى اللغة المشتركة والذاكرة والألم الواحد. الشعر يحفظ الذاكرة، أسماء القرى، رائحة الطين بعد المطر، أصوات الأسواق. القصيدة توثّق هذه العناصر وتحوّل دون محو الهوية. الشعر كذلك يفتح مساحة للتعاطف: قراءة الأدب تعزّز قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين. عندما يصغي القارئ إلى صوت “الآخر” في قصيدة صادقة، تضيق المسافة النفسية وتتسع إنسانية الرؤية. والشعر يصنع اللغة البديلة: مفردات مثل خيانة، عمالة، ارتزاق تُستبدل بكلمات مثل: بيت، أم، نهر، عودة. تغيير المفردات يعني تغيير زاوية النظر إلى العالم، لأن اللغة ليست حيادية. الشعر وحده لا يعيد النازحين إلى بيوتهم ولا يوقف الانتهاكات. أثره بطيء وتراكمي، ويحتاج إلى منصّات تعليمية ومساحات حرية، وإلى شعراء يرفضون الاصطفاف الضيق. الشعر يعيد بناء المعنى، وعندما يُستعاد المعنى المشترك، تصبح فكرة الوطن أصلب من دعوات الاقتت.ال.
الشاعر أسامة سليمان:

نحن اعتدنا تحميل الشعر والفنون أكثر مما تحتمل في إحداث التغيير السريع. يميّز بين الأثر الآني والأثر البعيد؛ الفنون قادرة على إحداث تغيير عميق، لكن على مدى طويل عبر بناء الوعي تدريجياً وبفعلٍ تراكمي لا تظهر نتائجه في الفترات القصيرة. الح.رب تهشّم الحاضر على مستوى البنى وتُنتج نزوحاً وتشريداً وهدماً. دور الفنون يكمن في تحصين المستقبل، عبر إطفاء نيران الكراهية وإنبات معاني الحب والإخاء والمواطنة الصالحة. الشعر يفتح أفق حلمٍ مختلف ويوقظ في النفوس شموساً للمستقبل، لكن لا يُطالَب بثمار آنية. إنه يعمل في العمق، لا على السطح.
الشاعر محمد عزوز:

اللحظة الراهنة مرحلة مخيفة، إلى حد الشك في النجاة، في ظل نزيف مربك ورصاصات تتباين أشكالها؛ رصاص يخرج من مسدس وآخر يأتي في هيئة اتهامات تتعلق بالقبيلة واللون والشكل. الشعر مختبئ أحياناً في بدلة جندي، متعاطف مع طفلة نازحة في مركز رديء، وباكٍ على جثمان طفل في الجهة الأخرى من الصراع. فوضى جهنمية نتيجة حقبة من الحكم المختل القائم على دق التفرقة والكراهية. الشعر لا يجيب الغربة ولا البلاد، بل يجيبنا نحن، القرّاء المتورطين في الخوف من غد مخيف. يخبر عن البلاد التي احترقت وعن غد قد يعود، ويذكّر بمن خسرنا لنَبكي، ومن نجا لنحتفي. الشعر كسلاح في معركة البقاء؛ ملزم باتخاذ موقف أخلاقي من الموت والحشد باسم الهوية واللون والجنس. يذكّرنا بالأرض، بالخدوش القديمة، بالجدات، بحفلات الأعراس، وبأجداد توزعوا في ربوع البلاد دون أن توقفهم لكنة أو لغة أو لون. الح.رب تهدد كل ما راكمته الحركة التاريخية منذ عصر الأتراك في تشكيل النسق الاجتماعي السوداني. الشعر هو حافظ صارم للهوية وتواريخ الشعوب؛ “الثلاجة” التي تحفظ نموذجنا الأسمى في مواجهة محاولات تشويهه أو إتلافه.

Leave a Reply