أشيائي القديمة

صحيفة الهدف

نيالاو آيول

ارتباطي حميم ببعض الأشياء القديمة، ارتباطات لا تُشرح، لأنها تُعاش فقط..

سأكتب عن الهاتف الأرضي الذي يظهر خلفي كثيراً في بعض صوري..

هذا الهاتف ظلّ في مكانه منذ أكثر من 15 سنة. لم يتغير مكانه، ولا مكان الديك الذي يتولى حراسته، ولا العلاقة الخشبية التي صنعها لي جاري جاك ويلكنسون العجوز، الذي كان من قدامى المحاربين في الح.رب العالمية الثانية؛ أضع فيها مذكرات وعناوين..

لم أتخلَّ عن هاتفي الأرضي ليس لأن الجوال أقل ذكاءً، ولكن لأن الهاتف الأرضي أكثر ذاكرة. ذلك الهاتف لا يرن كثيراً، وحين يرن أعرف أن أحداً قصدني ولم يمر مصادفة! لم يضغط اسمي بين أسماء لا حصر لها، ولكنه وقف عند العتبة وقال: “أنا هنا من أجلك.”

لا أحمل الهاتف الأرضي في جيبي، ولا يحملني في جيبه، ولا يراقب خطواتي، ولا يعرف عدد أنفاسي. ينتظرني صامتاً مثل كرسي قديم في بيت العائلة، لا يغادر مكانه ولا يخون الزمن.

في الجوال ضجيج العالم كله.. إشعارات، صور، أخبار عاجلة، أصابع تكتب ثم تمحو، وعلاقات تمر مثل غيوم سريعة. أما الأرضي فصوته ثقيل قليلاً، كأنه قادم من عمق البيت، من الجدار.. من الذاكرة نفسها.

لم أتخلَّ عنه لأن صوته لا يشيخ، ولأن المكالمات فيه قصيرة لكنها حقيقية. لا مجال للهرب، لا زر لكتم المشاعر، إما أن تتكلم أو تصمت بكرامة.

الهاتف الأرضي لا يعرف العجلة. يربطني بمكان واحد، يعلمني أن الغياب ليس دائماً حرية، وأن الثبات أحياناً شكل آخر من أشكال الوفاء.

لذلك أبقيته.. ليس ضد الجوال، لكن مع فكرة أن بعض الأشياء يجب أن تبقى مربوطة بالأرض حتى لا نضيع.

لديّ علاقة سرية مع الأشياء القديمة، لا أُعلنها، لأنها لا تفهم الضجيج، ولا تحب الشهود.

ألمسها كما يُلمس قلب خجول، كأنني أخشى أن أوقظ الزمن النائم فيها.

الأشياء القديمة لا تلمع، لكنها تعرف أكثر، وتصمت أكثر..

وتحب بعمق لا يحتاج إلى دليل.

شاعرة من جنوب السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.