بقلم: ابن عوف أحمد
في المشهد الذي تعيشه بورتسودان اليوم ثمة حقيقة يدركها كل من يعيش داخل هذه المنظومة ويأبى الاعتراف بها علناً: حين أُجبر الدعم السريع على التراجع عن أجزاء من الخرطوم، لم تعد الدولة بمؤسساتها وقانونها وعدالتها، بل جاءت مليشيات بأختام رسمية ولصوص بحقائب دبلوماسية. مليشيا أخرى بوجه مختلف وأسلوب أكثر أناقة. الدعم السريع نهب الحجر والمعدن والأثاث وما تيسّر، أما من جاء بعده فقد نهب الفرصة والمستقبل والدولة ذاتها بمنهجية أشد خطورة وأبعد أثراً لأنها تعمل من الداخل وتتستر بالشرعية. والمواطن، ذلك الذي لم يختر الحرب ولم يُشعلها ولم يستفد منها يوماً واحداً، هو الذي يدفع الفاتورة وحده من كل اتجاه، يُعصر من الأسفل بالفقر والتهجير والخوف، ويُعصر من الأعلى بشبكات الفساد وتجار الحرب الذين وجدوا في المأساة الوطنية سوقاً رائجة وفرصة لا تتكرر.
في هذا الوقت بالذات، حين تحترق البلاد وينزح الملايين ويموت الأطفال جوعاً في دارفور وكردفان، يتجول البرهان بين موائد الإفطار والمناسبات الاجتماعية مطمئناً ومُطمئِناً، يُصافح ويبتسم ويُلقي كلمات عن الصمود والانتصار القادم. مشهد يُعبّر بصدق مذهل عن طبيعة هذه المرحلة: قائد يقيس نبض الشارع بملاعق العصيدة لا بمؤشرات الحوكمة، ويعتقد أن إفطاراً جماعياً هنا وزيارة ميدانية هناك كافيان لتسكين جرح دولة تنزف من كل اتجاه. الرجل مرتاح لحالة الفوضى لأنها تُتيح له هامشاً من الحركة لا تُتيحه الدولة المنضبطة، يُصدر توجيهاته ثم يتفرج، ويحضر المحافل الدولية ثم يعود كمن أدّى واجباً لا كمن يحمل ثقل دولة تتفكك.
أما رئيس الوزراء فحكاية من نوع مختلف تماماً تستحق أن تُروى بوضوح. رجل أُسندت إليه مهمة تسيير حكومة في زمن الحرب فتحوّل إلى توقيع متنقل، لا يملك قراراً مستقلاً واحداً يُذكر في ملف جوهري واحد. مكبّل بشبكة من الضغوط العسكرية والقبلية والحزبية تفوق طاقته وتتجاوز بكثير شخصيته التي لم تُصنع أصلاً لهذا الحجم من المسؤولية في هذا التوقيت من التاريخ. الرجل يعرف حدوده ومن حوله يعرفونها، ومع ذلك يُكمل الجميع مسرحية الحكم بأداء متقن وبلا إحراج مرئي، بينما تُدار الدولة الحقيقية من خلفه بأيدٍ لا يعرف بعضها اسمها ولا يجرؤ على مواجهة بعضها الآخر. أخطر المناصب ليس ذلك الذي يمنح صاحبه سلطة بلا مسؤولية، بل ذلك الذي يُحمّل صاحبه مسؤولية بلا سلطة، وهذا بالضبط ما يعيشه رئيس وزراء السودان كل يوم.
الحركات المسلحة التي وقّعت الاتفاقيات ودخلت المنظومة الأمنية والمدنية جاءت بثقافتها معها كاملة غير منقوصة. لم تحمل مفاهيم الخدمة العامة والمؤسسية والمساءلة، بل حملت ثقافة الغنيمة التي أتقنتها عقوداً في الأطراف والمعسكرات. الحواجز تحولت إلى إتاوات تحمل توقيعات رسمية، والمناقصات صارت مناسبات لتوزيع الغنائم بين المستحقين، والمناصب أصبحت مكافآت على الولاء لا اعترافاً بالكفاءة. وبدلاً من أن تستوعبها الدولة وتُخضعها لمنطقها ومؤسساتها، خضعت الدولة لمنطقهم هم حتى أصبح الفرق بين حامل السلاح وموظف الوزارة مجرد فرق في اللباس.
أما الذهب فتلك جريمة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى مبالغة في الوصف لأن أرقامها أبلغ من أي وصف. إنتاج السودان يُقدّر بأكثر من مئة طن سنوياً، ثروة حقيقية في زمن يحتاج فيه البلد إلى كل قرش لإطعام نازح أو علاج جريح، لكن الخزينة العامة لا تحصل إلا على الفتات بينما تذهب الحصة الكبرى إلى شركات تعمل بتراخيص مريبة وعلاقات أكثر مرابة مع أطراف نافذة لا تخشى سؤالاً ولا رقيباً. وزير المعادن يشرف على هذا النزيف المنظم دون أن يصدر منه ما يُثبت إدراكه لحجم ما يجري أو رغبته الحقيقية في وقفه. وتجار الحرب الذين ضخوا أموالهم في هذا القطاع يعرفون جيداً أن الأزمة الوطنية هي أفضل بيئة للنهب المنظم لأنها تُشتت الانتباه وتُضعف الرقابة وتُشلّ المساءلة. والمواطن البسيط الذي ينبش بيديه في أودية بلاده بحثاً عن حبوب ذهب تُعينه على البقاء وجد نفسه في نهاية القائمة، جاءت المليشيات أولاً وأخذت ما أخذت، ثم جاء اللصوص بالأختام والتراخيص فأكملوا الباقي بكل برود واطمئنان.
بورتسودان اليوم ليست عاصمة حرب فحسب، بل هي عاصمة لوبيهات تعمل في العلن وتحتمي بالفوضى وتتغذى على الاستثناء. غير أن الأمر تجاوز حدود التجارة والعقود إلى ما هو أكثر إثارة للاستغراب، إذ باتت تُرصد ظاهرة ممنهجة من الصرف السخي على صحفيات وإعلاميات بعينهن، لا لشيء إلا لأن قلمهن ومنصتهن أصبحا سلعة في سوق الرواية المدفوعة. أسفار ممولة وإقامات فارهة وعلاقات مُحكمة مع أصحاب النفوذ وتجار الحرب الذين يعرفون قيمة الرواية الجيدة ويدفعون ثمنها دون تردد. تغطيات مصطنعة ومقابلات مُعدّة سلفاً وصفحات تصنع صورة الإنجاز والانتصار فيما البلاد تحترق والمواطن يتشرد في الصحاري والمخيمات. وفي المقابل صمت مدروس ومحسوب عن كل ما يُحرج أو يكشف أو يجرؤ على الاقتراب من الحقيقة. هذا النوع من الفساد لا يقل خطورة عن فساد العقود والتراخيص والذهب المهرّب، لأنه يسرق الرأي العام ويُزوّر الوعي الجمعي في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى صحافة حرة أكثر من حاجتها إلى أي شيء آخر.
والمواطن في كل هذا لا يجد من يمثله ولا من يتكلم باسمه ولا من يحمي حقه. الدولة التي يُفترض أن تكون ملجأه باتت أداة في يد من يملكون الشبكة والنفوذ والمال. القاعدة التي يسير عليها الجهاز الحكومي صارت معروفة لكل أحد: القرابة أولاً، ثم الولاء القبلي والحزبي، ثم المال، وفي نهاية القائمة إن تبقى شيء ربما الكفاءة. الوزارات تُوزع على مناطق النفوذ كما يُقسم الإرث بين الورثة، والمناصب الدبلوماسية تذهب إلى من أتقن فن الانحناء في اللحظة المناسبة، والخدمة العامة تحوّلت من واجب وطني إلى امتياز شخصي يمنحه صاحبه لمن يراه مستحقاً وفق معاييره الخاصة لا وفق القانون.
الحقيقة التي لا تحتمل المراوغة هي أن الفساد لم يكن وليد الحرب وحسب بل كان من أسبابها العميقة. حين تُغلق أبواب الفرص أمام الكفاءة وتُفتح على مصاريعها أمام الولاء، تتراكم المرارات وتتعفن، ويضعف الانتماء حتى يتلاشى، ويتحول الاحتقان الصامت إلى فتيل. ما جرى في السودان ليس قدراً نزل من السماء بل هو الحصاد الطبيعي لعقود من ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس النهب المنظم. المواطن يرى كل هذا ويعيشه في كل معاملة وكل باب يطرقه فيجده موصداً إلا لمن يعرف كلمة السر أو يملك ثمنها. الحرب قد تتوقف بقرار يُوقّعه أشخاص على طاولة في عاصمة بعيدة، أما منظومة النهب هذه فلن تتوقف من تلقاء نفسها لأن المستفيدين منها أقوى من أي إرادة إصلاحية تجرؤ على الظهور. وحين تُسأل المواطن عن المستقبل يصمت، لأن الصمت في هذه الحالة أصدق وأبلغ من أي كلام.

Leave a Reply