تأليف: هانس بيتر مارتن وهارالد شومان (1996)
ترجمة: سعد راشد حسب النبي
وعلى ضوء التوحد الذي بات يجمع بين مصالح أصحاب رؤوس الأموال، يقول المؤلفان إن هناك الآن ما يُسمى بـ(أممية رأس المال)، ويشيران إلى أن انهيار النموذج الاشتراكي قد ساعد على انتشار هذه الأممية التي لم تعد تهتم إلا بالربح. وينتقد المؤلفان الحجة التي يروج لها منظرو العولمة، والتي تقول إن العولمة من الحتميات الاقتصادية والتكنولوجية، الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف بوجهها، وعكس ذلك، يؤكدان أنها نتيجة حتمية خلقتها سياسات معينة بوعي وإرادة حكومات وبرلمانات وبإرادات سياسية واعية بما تفعل ومعبرة عن مصالح شركات دولية النطاق.
من زاوية أخرى، وحول نشأة العلاقات الاقتصادية المعولمة، أورد المؤلفان ما يلي:
في عام 1948 بدأت مسيرة أوروبا وأمريكا نحو العلاقات الاقتصادية المعولمة بدافع مواجهة الآثار التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وعندها توصلا إلى اتفاقية (الجات) لخلق نظام مشترك للتجارة الدولية يحررها من القيود الجمركية وغيرها.
كانت النتائج التي أفرزها التحرير المتزايد للتجارة عظيمة وإيجابية على صعيد النمو المطرد ورفع مستوى المعيشة في أمريكا وأوروبا، وقد ساعد على ذلك أن غالبية البلدان الصناعية كانت تسير على ضوء المبادئ الاقتصادية التي صاغها جون كينز، كردًا على الكارثة الاقتصادية التي اندلعت بين الحربين العالميتين. وكان كينز قد رفع الحكومة إلى مصاف المستثمر المالي الرئيسي في الاقتصاد الوطني، وأيضًا في زيادة الإنفاق الاستثماري في حالات البطالة والركود. وهكذا سارت الأمور إلى أن بدأت تتعثر منذ العام 1973-1979، بسبب العجز في الموازنة وارتفاع التضخم.
الأمر دفع المحافظين، الذين فازوا في الانتخابات في عام 1979 في بريطانيا وفي عام 1980 في أمريكا، إلى طرح عقيدة اقتصادية مختلفة كليًا سمّوها (الليبرالية الجديدة)، وقد نادى بها مستشار ريغان الاقتصادي ميلتون فريدمان، وأيضًا نادى بها فريدريش هايك، مستشار تاتشر.
هذان المنظران أوكلا للحكومة مهمة الحفاظ على الإطار العام للنظام الرأسمالي، مؤكدين أن كلما تمتعت الاستثمارات بحرية أكبر بشأن مشروعاتها واستخدامها للأيدي العاملة، فإن النمو يصبح أكبر والمستوى الاقتصادي أعلى للجميع. ولم يكتفوا بهذا، بل ضغطوا على بقية الشركات لتطبيق هذا النهج بالعقوبات التجارية ووسائل الضغوط الأخرى.
وهكذا صار الثلاثي: التحرير، الليبرالية، الخصخصة، هو الوسائل الاستراتيجية للمشروع الليبرالي الجديد، وليصبح إيديولوجية تتعهدها الدولة بفرضها، ليتم أكبر تغيير جذري في النظام الاقتصادي في الديمقراطية الغربية.
من القضايا المهمة التي ناقشها المؤلفان، القضية التي تزعم أن العولمة أدت إلى انصهار مختلف الاقتصادات القروية والوطنية والإقليمية في اقتصاد عالمي موحد، وصار العالم سوقًا واحدة، وأن التجارة العالمية تبدو كأنها في نمو مطرد بعد أن أصبح العالم قرية كونية واحدة بعد الدور الذي لعبته الأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت ومختلف أشكال ثورة الاتصالات.
هنا يشير المؤلفان إلى أنه، بخلاف التوحيد التلفزيوني الذي يربط بين كل العالم، وبخلاف بضع مدن تتركز فيها وسائل الصناعة الحديثة والتقنيات العالية وتتصل ببعضها البعض وبالعالم الخارجي أكثر من اتصالها بالبلاد التي تنتمي إليها، يظل الجزء الأعظم من العالم متحولًا إلى جزر منفصلة، وإلى عالم بؤس وفقه.
ويضيف المؤلفان أن مساعدات التنمية التي كانت تُعطى للعالم الثالث أصبحت في خبر كان، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وموت حوار الشمال والجنوب، ودخول الدول النامية النفق المسدود للمديونية الخارجية. ويشير المؤلفان إلى أنه بعد تسارع عمليات العولمة، فإن بعض المصطلحات المهمة التي شغلت ساحة الفكر والعمل طويلًا مثل: العالم الثالث، والتحرر، والتقدم، وحوار الشمال والجنوب، والتنمية، لم يبق لها في دنيا العولمة أي ذكر ومعنى.

Leave a Reply