عباس شريف مدثر
في بيان المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي (يناير 2026)، ورد تأكيدٌ مهمٌّ على أن (الأمة العربية تختزن طاقاتٍ جبارةً، وهي قادرةٌ على الدفاع عن وجودها وهويتها ومشروعها المستقبلي). هذه العبارة ليست خطابًا تعبويًا، بل حقيقةٌ تاريخيةٌ وواقعيةٌ تحتاج إلى إبرازٍ وتوثيق.
هذا التقرير يسعى إلى تسليط الضوء على جانبٍ واحدٍ من هذه (الطاقات الجبارة)، وهو العنصر البشري العربي، وقيمته الحضارية، وقدرته على الإبداع والتميّز متى توفرت له الظروف المناسبة.
أولًا: الإنسان العربي ليس وليد اللحظة
قبل الحديث عن أي نهضةٍ اقتصاديةٍ أو سياسية، يجب التوقف عند حقيقةٍ جوهريةٍ، هي أن العنصر البشري العربي ليس وليد اللحظة، ولا نتاجَ ظرفٍ طارئ. إنه امتدادٌ لحضارةٍ تمتد لآلاف السنين، وشعبٌ أنتج عبر التاريخ:
– فلاسفةً أثروا في الفكر العالمي مثل ابن رشد، الفارابي، ابن سينا، والكندي.
– علماءَ أسسوا لمناهج البحث العلمي مثل ابن الهيثم، الخوارزمي، البيروني، وابن النفيس.
– أطباءَ ظلت كتبهم تُدرَّس في أوروبا لقرون، مثل الرازي وابن سينا.
– مفكرين وقادةً قادوا حركات التحرر وأسسوا للنهضة العربية الحديثة.
– مبدعين في الأدب والفن والعمارة شكّلوا وجدان الأمة العربية وهويتها.
هذا الإرث الحضاري ليس مجرد ماضٍ نفتخر به، بل دليلٌ ملموسٌ على قدراتٍ كامنةٍ في الإنسان العربي، تنتظر الظروف المناسبة لتظهر وتتألق.
ثانيًا: شهادة من التاريخ المعاصر.. قصة البروفيسور الياس كوركيس
من بين آلاف القصص التي تثبت جدارة الإنسان العربي، تبرز قصةٌ تستحق التأمل العميق.
من هو البروفيسور الياس كوركيس؟
البروفيسور الياس كوركيس، عراقيٌّ من أصلٍ آشوري، وأستاذٌ في University of Oxford البريطانية، إحدى أعرق جامعات العالم، في تخصّص الإدارة والاقتصاد والسياسة.
ماذا حدث؟
في عام 1978، كان دينغ شياو بينغ، الأب الروحي للنهضة الصينية الحديثة، يبحث عن خبيرٍ اقتصاديٍّ دولي لإنقاذ الاقتصاد الصيني من الانهيار. كانت الصين آنذاك دولةً فقيرةً تعتمد على الغزل والأقمشة والفحم الخام، وتعاني من تخلفٍ صناعيٍّ وتنمويٍّ حاد. وبعد محاولاتٍ متكررة، وافق البروفيسور كوركيس على العرض وانتقل إلى الصين.
ماذا قدّم؟
خلال عمله مستشارًا أول للحكومة الصينية، وضع أسسًا استراتيجيةً غيرت مسار الصين، من أبرزها:
– التحوّل التدريجي إلى اقتصاد السوق مع الحفاظ على دور الدولة التوجيهي.
– فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، خاصةً في المجال الصناعي.
– تضييق الفجوة الاقتصادية بين شرق الصين وغربها عبر تبادل الخبرات.
– محاربة الفساد الإداري عبر ربط دخل الموظف بالإنتاجية.
– تدريب الوزراء والمسؤولين شخصيًا على مهارات الإدارة والقيادة وتعليمهم اللغة الإنجليزية.
– ربط الاقتصاد الصيني بالاقتصاد العالمي والمساعدة في انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.
– بلورة نموذج (اقتصاد السوق الاشتراكي) الذي وازن بين دور الدولة وخلق جزرٍ اقتصاديةٍ ليبرالية.
النتيجة:
خلال سنواتٍ قليلةٍ بدأت ملامح النهضة الصينية تظهر، وتحوّلت الصين تدريجيًا إلى قوةٍ اقتصاديةٍ عظمى، تتصدر اليوم مؤشرات التنمية الاقتصادية وفق دراساتٍ أكاديميةٍ معروفة.
ثالثًا: الدلالات العميقة للقصة
1/ العنصر البشري العربي قادرٌ على قيادة نهضاتٍ عالمية:
هذه القصة تؤكد أن الإنسان العربي، حين تتاح له الفرصة، قادرٌ على الإسهام في مشاريع تنمويةٍ كبرى على مستوى العالم.
2/ المشكلة ليست في الإنسان بل في البيئة:
ما ينقص الوطن العربي ليس العقول القادرة، بل:
– البيئة الحاضنة للإبداع.
– المؤسسات العادلة التي تكافئ الكفاءة.
– الاستقرار السياسي طويل الأمد.
– الثقة بالكفاءات الوطنية.
3/ القدرة على ابتكار نموذجٍ خاص:
التجربة الصينية لم تكن استنساخًا أعمى لنموذجٍ غربي، بل صياغةً متوازنةً بين الدولة والسوق. وهذا يعني أن العقل العربي، متى تحرر، قادرٌ على إنتاج حلولٍ تنمويةٍ تراعي خصوصية مجتمعاته.
4/ العراق وفلسطين: الجرح النازف:
العراق، الذي كان يومًا منارةَ علمٍ وحضارة، يعاني اليوم من آثار الاحتلال والتدخلات والصراعات. وفلسطين تعيش تحت وطأة الاحتلال والتدمير الممنهج. هذان المثالان يذكّران بأن هدر الطاقات ليس قدرًا، بل نتيجة سياساتٍ وظروفٍ قابلةٍ للتغيير.
رابعًا: ما يعنيه ذلك لبيان المؤتمر
1/ الاستثمار في الإنسان هو الأساس: لا إعادةَ بناءٍ للدولة الوطنية، ولا عدالةَ اجتماعية، دون تعليمٍ متطور، وصحةٍ جيدة، وتدريبٍ مهني، ومناخٍ يشجع الإبداع.
2/ الهوية مصدر قوة لا عائق: التنوع في الوطن العربي ثراءٌ حضاريٌّ يجب استثماره، لا إقصاؤه.
3/ العدالة تبدأ بتكافؤ الفرص: ربط الأجر بالإنتاجية، ومحاربة الفساد، ومكافأة الكفاءة، هي ركائز أي إصلاحٍ حقيقي.
4/ استعادة الثقة بالذات: لن يُبنى تكاملٌ عربيٌّ فعّال دون الإيمان بقدرة العقول العربية على التخطيط والإبداع وصناعة البدائل.
خامسًا: توصيات عملية
1/ إنشاء قاعدة بياناتٍ للكفاءات العربية في الخارج.
2/ توفير بيئةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ جاذبة للعقول المهاجرة.
3/ الاستثمار الجاد في التعليم والبحث العلمي.
4/ محاربة الفساد كمقدمةٍ لأي إصلاح.
5/ الاستفادة من تجارب الآخرين بوعيٍ نقدي، لا باستيرادٍ أعمى.
خاتمة
قصة البروفيسور الياس كوركيس ليست استثناءً، بل مثالٌ لما يمكن أن يقدمه الإنسان العربي إذا توفرت له الشروط المناسبة. مئات الآلاف من العقول العربية المهاجرة تثبت يوميًا قدرتها على الإبداع والتميز.
السؤال الحقيقي ليس: هل يملك العرب القدرة؟
بل: هل نوفر لهم البيئة التي تتيح لهذه القدرة أن تتحول إلى مشروعٍ حضاريٍّ جامع؟
إذا كانت دولةٌ كبرى قد استفادت من خبرة عقلٍ عربيٍّ واحد، فإن الأمة العربية، إذا أحسنت استثمار عقولها جميعًا، قادرةٌ على أن تصنع نهضتها الخاصة.
العنصر البشري العربي ليس مجرد موردٍ من موارد التنمية، بل هو ركيزتها الأولى وكنزها الحقيقي. وما ينقصنا ليس القدرة، بل الإرادة العادلة، والبيئة الحاضنة، والثقة بأنفسنا.
فلتكن البداية من الإنسان؛ لأنه البدايةُ والنهايةُ في كل مشروعٍ حضاريٍّ حقيقي.

Leave a Reply