نادية قنونو
لا أعرف الإجابة على ذلك السؤال القديم المتجدّد: “هل الإنسان مخيّر أم مسيّر؟”
لكني إذا توقفت لأتأمل حياتي، أرى خلفي طريقًا سرت فيه منذ الصغر نحو مصير معلوم، وهو الكتابة. لا أعرف إن كان هذا المصير مرسومًا لي في الغيب منذ البداية، أم رسمته بنفسي خطوةً خطوةً ومحطةً بعد محطة بما قدّمته يداي وبما أتاحت لي الحياة من صدفها العشوائية العبثية. ورغم أن عقلي يميل نحو التفسير الثاني ولا يستوعب الأول، إلا أن تسليمي بأنه قدر محتوم يريحني من عناء التفكير في احتمالات لا نهائية كان يمكن أن تغيّر قدري.
المحطة الأولى: هل كانت صدفة عشوائية أن تكون قصّة (صغيّر صغرون) من نصيبي في أول حصة مطالعة بالسنة الثالثة ابتدائي، فأغرم بها وأرفض في الحصة الموالية أن أستبدلها ب قصّة (جميجم وجمجام)، لأكون منذ الثامنة من عمري دودةً تعشش في خزانة الكتب بمكتب أبي، مدير المدرسة، لأبحث في البداية عن تلك ال قصّة التي سُلبت مني غصبًا وأحضنها وأعيد قراءتها، ثم لاحقًا لألتهم كل كتب المطالعة المخصصة لأترابي والمخصصة لتلاميذ الأقسام العليا بالمدرسة، ثم أعشش في مكتبة أبي ببيتنا ومكتبة المعهد ومكتبة المدينة، وبين صفحات كل كتاب أظفر به بعد ذلك؟
المحطة الثانية: هل كانت صدفة عشوائية أن أقع على برنامج (جنة الأطفال) بإذاعة صفاقس وأنتظره صباح كل أحد بفارغ صبر لأسمع المذيع “سي عبد الرحمان اللحياني” وهو يعلن بصوته الجميل عن ال قصّة الفائزة، التي كثيرًا ما كانت من تأليف الطفلة نادية قنونو من مدرسة “حمادي القبْلي” بجرجيس، ثم أطير فرحًا وهو يقرأ قصتي الصغيرة بالتناوب مع أحد الأطفال فقرة فقرة مع خلفية موسيقية، ثم أنطلق مدفوعةً بنشوة النجاح في كتابة قصّة جديدة لمسابقة الأسبوع المقبل؟
المحطة الثالثة: هل كانت صدفة عشوائية أن أقرأ الثلاثية و(اللص والكلاب) لنجيب محفوظ في المرحلة الأولى من التعليم الثانوي، فتفتنني دقة تصويره للشخصيات ويفتح أمامي شغفًا جديدًا يجعلني أغرم بتصوير النفس البشرية من الداخل، فأملأ كراساتي وكل ورقة تقع تحت يدي بما يستطيع قلمي أن يخطّه عن شخصيات وهمية وحقيقية أراها في محيطي في حالاتها النفسية والانفعالية المختلفة دون وعي بأهمية ما أفعل، وينمو فيّ الانتباه لملاحظة أدق التفاصيل في هذه النفس العجيبة وسلوكاتها المتباينة، ليصبح الناس في حياتي مجرد شخصيات تنتظر من يقيدها ويحشرها داخل رواية جديدة؟
المحطة الرابعة: هل كانت صدفة عشوائية أن يطلب مني أحد زملائي في قسم السنة الرابعة بالمعهد أن أفسر له درس الإنجليزية التي لا يفهمها، فيفتح أمامي بابًا جديدًا في الأدب اسمه الترجمة، وتصبح لعبتي المفضلة هي ترجمة نصوص كتاب الإنجليزية، ثم أعيد كتابة قصص عربية كثيرة قرأتها سابقًا باللغة الإنجليزية وأنشرها في مجلة المعهد؟
المحطة الخامسة: هل كانت صدفة أن أقرأ (الأيام) لطه حسين فينفتح لي باب الكتابة السيرذاتية، وأقرر مع صاحباتي حبيبة ومنيرة وفوزية أن ننطلق بداية من السنة الخامسة في تدوين يومياتنا يومًا بيوم، فتصبح أمتع ساعة في يومي تلك التي أخرِج فيها دفتري الخصوصي في جوف الليل لأحرر فيه بأسلوب أدبي تفاصيل يومي، مستعينةً بما دونته في الكنّش الصغير المرافق لي طيلة اليوم من أحداث صغيرة وكبيرة، فيتغير العالم في نظري ليصير نصوصًا أدبية متحركة تنتظر قلمي ليلتقطها ويسكبها على الورق؟
أتساءل فعلًا: هل كان يكفي أن تكون قصّة (جميجم وجمجام) من نصيبي في أول حصة مطالعة في حياتي حتى أتجنب الإصابة بداء حبّ الكتب ويتغير قدري؟

Leave a Reply