عبدالرافع حسن بخيت: المسرح لم يمت.. استمر في قلب الأزمة
سيد صوصل: المسرح سلاح السلام، ومرآة الوحدة الوطنية
سمية الطيب: الحروب تعيد التشكيل والمستقبل المسرح
إستطلاع: عبد المنعم مختار
مرّ المسرح السوداني بمحطاتٍ ثرّة من الإبداع والتجريب، وأسهم تاريخيًا في طرح قضايا المجتمع ونقد الواقع الاجتماعي والسياسي. غير أنّ الحرب الأخيرة وما صاحبها من اضطرابات أدّت إلى توقف النشاط المسرحي في مناطق واسعة، وتشتّت المسرحيين بين النزوح واللجوء، واضطرار كثيرين إلى البحث عن سبل عيش بديلة، ما أضعف حضور المسرح المؤسسي وأربك بنيته الإنتاجية.

ورغم ذلك، يؤكد الكاتب والمخرج والممثل المسرحي عبدالرافع حسن بخيت أن المسرح لم يتوقف بالكامل؛ فقد استمرت عروض في بعض المناطق الآمنة نسبيًا، مثل أم درمان، حيث قُدمت أعمال في الأسواق وأماكن التجمعات للتخفيف من آثار الصدمة. كما أسهم مسرحيون في بورتسودان وكسلا ومدني والقضارف والشمالية في دعم الأطفال والنازحين، والمشاركة في حملات التوعية الصحية ورتق النسيج الاجتماعي. وفي دول اللجوء والهجرة، واصل فنانون سودانيون نشاطهم عبر مبادرات ثقافية دعمت الأسر نفسيًا، وحا
فظت على حضور المسرح خارج البلاد. ويرى بخيت أن المرحلة المقبلة تتطلب خطة وطنية واضحة للنهوض بالمسرح، وفصل الثقافة عن الإعلام، وتخصيص ميزانية مستقلة للإنتاج الفني.
من جانبه، يشدد الممثل سيد صوصل على أن للمسرح دورًا جوهريًا في زمنة الكوارث، مؤكدًا أن ما بعد الحرب يستدعي توظيفه كأداة فاعلة في ترسيخ السلام ومناهضة خطاب الكراهية والانقسام. ويقترح إنتاج أعمال تدعو إلى الوحدة الوطنية والتنمية، مستفيدة من التنوع الثقافي السوداني في الغناء والرقص واللهجات والتقاليد، ليكون أساسًا جماليًا وفكريًا لمشروع مسرحي جامع يعيد بناء الثقة ويعزز قيم التعايش. ويرى كذلك أن المسرح يمكن أن يتحول إلى منصة حوار مجتمعي مباشر تُشرك الجمهور في النقاش، وتفتح مساحات للاستماع المتبادل، بما يسهم في تفكيك الصور النمطية، وتعزيز المصالحة المجتمعية، وإعادة الاعتبار لقيم العدالة والاعتراف بالضحايا ضمن رؤية إنسانية جامعة.
أما رائدة مسرح العرائس سمية الطيب، فتلفت إلى أن المسرح السوداني ارتبط في بداياته بالمدارس والنوادي الثقافية، خاصة في أم درمان والخرطوم، وتشير إلى أن من أوائل رواده بابكر بدري في رفاعة عام 1903، حيث قدّم عروضًا مدرسية مبكرة.
ثم تطور المسرح عبر مؤسسات تعليمية مثل معهد بخت الرضا، الذي أسهم في تدريب المعلمين وترجمة النصوص العالمية وتقديمها، قبل إنشاء المسرح القومي بأم درمان، وظهور أسماء بارزة مثل الفاضل سعيد ويوسف عيدابي ومكي سنادة، إضافة إلى تجارب كوميدية شعبية مثل أبو قبورة وأبو دليبة. وقد تأثر المسرح السوداني بالمدرسة الواقعية وبتيارات المسرح العالمي، مع حفاظه على خصوصيته المحلية.
وترى الطيب أن الحروب لا تميت المسرح، بل تعيد تشكيله. فمسرح ما بعد الحرب سيكون، بحسب رؤيتها، مسرحًا يوثّق الذاكرة الاجتماعية، ويعالج قضايا النزوح والفقدان والانقسام، ويؤدي دورًا نفسيًا واجتماعيًا، خاصة تجاه الشباب والأطفال. وتتوقع بروز المسرح المستقل نتيجة ضعف المؤسسات الرسمية، واعتماد عروض الشارع ومراكز الشباب والنوادي المجتمعية، إلى جانب تنامي المسرح الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما تشير إلى أن ضيق الإمكانات الاقتصادية سيفرض أشكالًا فنية أكثر بساطة، بنصوص قصيرة ومباشرة، وديكور محدود، مع دمج الموسيقى الشعبية والتراث والأمثال في المعالجات الدرامية، واستلهام أحداث ما قبل الحرب وما بعدها في صياغات تخفف من وطأة الواقع وتمنح الأمل.
يبقى السؤال مفتوحًا أمام المسرحيين والمهتمين بالشأن الثقافي: كيف يمكن تحويل هذا الإرث الفني والتجربة التاريخية الغنية إلى مشروع وطني متكامل يعيد للمسرح السوداني مكانته، ويجعله رافعة للوعي والسلام في سودان ما بعد الحرب؟

Leave a Reply