عن نص (عقرب المويلح) للشيخ فرح محمد الحسن الشيخ

صحيفة الهدف

صلاح القويضي

في دراستي المطوَّلة عن تقنيات الاستهلال في الرواية السودانية، عرَّفتُ الاستهلال بأنَّه: “أوَّل وحدةٍ لغويةٍ مكتملةِ المعنى تحتوي على فكرةٍ كاملةٍ تقابل القارئ في متن العمل السردي، سواءً كان روايةً أو  قصّة قصيرةً” .وعرَفتُ أنماط الاستهلال في السرد، ومن بينها (الاستهلال التدرُّجي) الذي يتَّسم بالتدرُّج والهدوء والاستقرار ويقرِّبنا من الشخصية/ الشخوص الرئيسة في العمل السردي.

ويندرج استهلال الشيخ فرح في سرديَّته (عقرب المويلح) تحت هذا النمط من الاستهلال، فهو يبدأ السرديَّة قائلًا:

“موسى رجلٌ مربوعُ القامة، نحيفُ الجسم، غائرُ العينين، أكثرُ ما يميِّز وجهه ثلاثةُ شلوخٍ رفيعةٍ في كلِّ جانبٍ من صدغيه، نتيجةَ وجعٍ أصابه في عينيه منذ الصغر وكاد أن يُعميه، ففصّدوا صدغه من الجانبين. شُفيت عيناه، وبقيت الفصداتُ تذكِّره بوجع العيون، كلَّما نظر في المرآة أو مرَّر يده بجانبي وجهه عند الوضوء أو عند التعب الشديد. يعمل موسى في دكَّانه الصغير في طرف مدينةٍ من مدن الأقاليم، لا يغلق دكَّانه في صيفٍ أو شتاءٍ، يبدأ في الصباح الباكر وينتهي بعد أن يأوي الناس إلى فراشهم. يصفه جارُه صديقٌ بأنَّه حلوُ اللسان، شديدُ الهمَّة، لا يقعده واجبٌ ولا تفوته مناسبة”.

وفي ذات الاستهلال يواصل الشيخ فرح تقديم شخوص السرديَّة من خلال “حكاية الحلم المتكرِّر” والواقع أنَّ تقنية الارتكاز على “الحلم، الرؤيا، الكابوس، النبوءة” من أجمل التقنيات التي يُرتكز عليها بناء (السرديَّات القصيرة أو الطويلة)، ولعلَّ من أهم السرديَّات التي ارتكزت على الكابوس مجموعة (مذكِّرات البصَّاص بعد كابوسه الأخير) للشاعر والروائي والقاص عادل سعد يوسف.

وحلم موسى المتكرِّر الذي يرويه لصديقه حلمٌ بسيطٌ، أشبه بالكابوس، فهو ينتهي دائمًا بأن يلدغه عقربٌ أسودُ كبيرٌ، وفي منطقة (المويلح) بالتحديد. إمامُ المسجد فسَّر الحلم لموسى بأنَّ “عقربًا سيلدغه في المويلح”. ورغم أنَّ موسى لم يصدِّق تفسير الإمام، بل وسخر منه، فإنَّ الشيخ فرح يأخذنا في بقيَّة النص بذكاءٍ لنتابع تفادي موسى للسفر خارج المدينة.

ولكن الحكَّاء الماهر لم يعجز عن بناء نصٍّ يجعل (عقرب المويلح) يأتي لموسى في “عقر مدينته” في جراب بائع حرجلٍ قادمٍ للمدينة من منطقة المويلح.

قرأت النصَّ باستمتاعٍ بفضل “المكر السردي” للشيخ فرح الذي هندس النص ليخرج به بمهارةٍ من تخوم “الحكاية” إلى سماوات “القصّة القصيرة”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.