الفنان ياسر الحجير.. صوت الطنبور وذاكرة القضية في ضيافة (ملف الهدف الثقافي)

صحيفة الهدف

الفن قادر على وقف الحرب وتوحيد السودانيين إذا اتحد الفنانين

حين أحمل الطنبور، أشعر أنني أحمل تاريخ السودانيين وأحلامهم في وطن يسع الجميع

مشاركتي في ثورة ديسمبر لم تكن من باب الشهرة.. كان واجبًا أخلاقيًا تجاه شعب يطالب بحقه في الحياة الكريمة

من بين أصواتٍ كثيرة حملت همّ الوطن على أكتافها، يبرز صوتٌ من الحجير.. من تلك الأرض التي تُنبت الفن كما تُنبت النخيل؛ صوتٌ عرفه الناس باسم ياسر الحجير، بينما يعرّف هو نفسه باسمه الأول: ياسر طه سعد محمد خير.

من مواليد الولاية الشمالية، محافظة مروي، وُلد بقرية جلاس البار، حيث كان يعمل والده المنتمي لقرية الحجير (النافعاب). كما تنحدر والدته من منطقة البرصة الشاطراب.

فنانٌ وباحثٌ دؤوب في التراث، حمل الطنبور وقدّم سلسلةً من الحلقات الوثائقية عن هذه الآلة العريقة، نالت تقدير المختصّين والمهتمين بالشأن الثقافي في السودان.

يحمل فكرًا وثقافةً وقضيةً ظل متمسكًا بها، ثوريًا ونضاليًا، منذ بداية التسعينيات؛ حيث تم اعتقاله في أول تظاهرة طلابية ضد نظام الإخوان عام 1994، وتم فصله من الدراسة لكونه أحد القادة والمنظمين لهذه التظاهرات، ثم شارك في العمل الثوري والنضالي عام 2013، وتراكمت مناهضته حتى انتفاضة ديسمبر المجيدة، حين وقف في الساحات يغني للجماهير، يشعل الحماس، ويرفع راية وطنٍ يحلم بالحرية. واصل حضوره الفاعل ضمن لجان المقاومة، تنسيقية كرري، ورئيسًا للجان الخدمات والتغيير بمحلية كرري، مؤمنًا بأن ما يغنيه في المسارح يجب أن يعيشه في الشارع.

ياسر.. فنان، ودرامي، وتقني إلكترونيات، ومُدخل بيانات حاسوب، ولاعب وهاوٍ لكرة القدم، ووجه محبوب في الوسط الفني. يقيم  بالمملكة العربية السعودية بسبب ظروف الحياة، لكنه لم يبتعد يومًا عن قضاياه الوطنية، ولا عن جمهوره، ولا عن إرث الطنبور الذي حمله معه أينما ذهب. “ملف الهدف الثقافي” استهدفه بهذا الحوار.

حوار: عبد المنعم مختار – هاشم قنيب

  •  هل تستطيع أغنية منحنى النيل أن تعبّر عن السودان كله؟

– قد فعلت ذلك عبر الكثيرين من مبدعي أغنية الطنبور عبر حقبٍ وأجيالٍ سابقة وحتى الآن؛ فهي تحمل صوت الوطن، وتعبّر عن إنسانه دون عنصرية أو جهوية، وتتمازج فيها ثقافات الشعوب السودانية المختلفة، معبرةً عن قضاياهم وهمومهم بتعايشٍ سلمي يحمل هوية الإنسان السوداني الجميل.

  • قدّمت حلقاتٍ بحثية مهمة عن آلة الطنبور.. ما الذي دفعك لهذا العمل التوثيقي؟ وهل تعتقد أن السودانيين يقدّرون تراث الطنبور كما يستحق؟

– نعم، قدّمت حلقاتٍ بحثية عبر قناتي (قواديس) على (يوتيوب)، تتحدث عن الإيقاع وآلة الطنبور. الذي دفعني لذلك هو حبّي لتراثي وتمسّكي به، أردت أن أوثق لما أحب، وسوف أستمر في ذلك بشكلٍ مغاير ومميّز. الحقيقة أن السودانيون يقدّرون فن الطنبور، والدليل على ذلك انتشاره بين كل مجتمعاتهم.

  • وما المطلوب لتطويره؟

– المطلوب اتباع نفس الأدوات التي استخدمها الآخرون في ثقافاتٍ مختلفة لتطوير تراثهم. وهنا، على سبيل المثال، نأخذ تجربة الفنان العملاق الكويتي عبد الله الرويشد، الذي طوّر تراث بلده ونقله إلى الإقليمية والعالمية محافظًا على أساسياته وثوابته؛ لأن من ينطلق من أساس تراثه دائمًا يصبح هو الأفضل والمميّز.

  •  وهل يمكن للطنبور أن يتحوّل من فنٍ محلي إلى مكوّن أساسي من الهوية السودانية الجامعة؟

– نعم، قادر على ذلك، وله كل الإمكانيات. وفعلًا، آلة الطنبور منذ قديم الزمان جزء من كثيرٍ من الثقافات، مع اختلاف الاسم فقط؛ إذن فهي حاضرة في هوية الإنسان السوداني.

  •  كنتَ حاضرًا بقوة خلال انتفاضة ديسمبر.. ماذا يعني أن يغنّي الفنان للشارع في لحظةٍ ثورية؟

– الفن رسالة، والفنان الرسالي يجب أن يحمل هموم ومشاكل شعبه الذي يسعى للحرية والسلام والعدالة والتنمية والعيش الكريم، وحفظ حقوقه وإنسانيته، ويدعم بكل ما يملك من أجل ذلك. لقد كان لي الشرف أن أكون حضورًا فاعلًا، وهذا إيمانٌ مني بقضية شعبي الصابر العملاق.

  •  أغنياتك الثورية كانت جزءًا من مشهد الاعتصام.. كيف عشت تلك اللحظات؟

– عشت تلك اللحظات بكل فخرٍ واعتزاز، وشعرت بقيمة ما أقدمه لقضيتي وإنسان بلدي الذي يسعى للتغيير الحقيقي الذي يلبي طموحاته، وكنت فخورًا بأن أداء أغنياتي أصبح أيقونات لكثيرٍ من الملامح والمشاهد الثورية. على سبيل المثال: “يا عنصر ومغرور كل البلد دارفور”، للشاعر الراحل خالد يس، “ثورية دم الشهيد ما راح”، للشاعر خالد عبد المنعم،  “تسقط بس” للشاعر العطا علي العطاء، “مرقت عطبرة” للشاعر أبو بكر محمد العباس،  “بدون عنوان” للشاعر خالد بخيت، “آن الأوان. يا شعب مسالم”، للشاعر طه وداعة، “أنشودة تسقط تسقط تسقط”، التي جاءت مرتجلة في ميدان الاعتصام عقب إعلان تنصيب ابن عوف ورفضه من قبل الثوار.

كما قمت بإنتاج وتوثيق عددٍ من الأعمال الثورية التي جمعتني بشعراء عمالقة، منها ما تم إنتاجه ومنها ما هو قيد التسجيل، لأن الثورة ما زالت مستمرة، مثل: “ثورية فض الاعتصام، نداء للثائر، للشاعر صديق محمد طه، “الثورة نبضي” للشاعر السر عثمان الطيب.

  •  أين يقف الفنان بين الالتزام بقضيته وبين تجنّب الخطاب السياسي المباشر؟

– يأتي التزام الفنان بقضيته بحجم إيمانه بها، وأنا ومثلي الكثيرون من المبدعين، موقفنا ثابت تجاه قضيتنا؛ لذلك نحن ملتزمون جدًا، ونقدم خطابًا سياسيًا مباشرًا عبر ما يحمله فنّنا من رسائل عظيمة ذات قيمة عالية. فالفن الرسالي لا ينفصل عن السياسة ومباشرتها.

  • كيف ترى دور الفنانين اليوم في إيقاف الحرب وعودة الأمن إلى السودان؟

– دورٌ كبير جدًا ومشرّف، رغم محاولات معسكر الحرب التصدي له، ولكنهم دائمًا ما يفشلون.

  • هل يستطيع الفن أن يخفّف الاحتقان ويعيد الأمل وسط هذه الظروف القاسية التي خلفتها الحرب؟

– بالتأكيد، للفن أدواته التي تصل بسرعة، ورسائله السامية تدخل قلب وروح كل إنسان، تعبر وتخفّف وتواسيه في جراحاته. وأيضًا عبر الفن ننبذ خطاب الكراهية والعنصرية، مما يجعلنا متسامحين ونقبل ببعضنا البعض، ونقطع الطريق أمام كل من يدعو للفرقة والشتات والانفصال. فالفن أسرع وأسهل وسيلة للوصول لهذه الأهداف السامية.

  • ما رسالتك للفنانين في الداخل والخارج لتحديد موقف من استمرار الحرب.. وهل تدعو لمشروع فني من أجل السلام؟

– رسالتي لكل مبدعي بلادي في الداخل والخارج، أيًا كان فنهم: فنان، شاعر، رسام، ممثل، مخرج، إعلامي، أديب، كاتب، صانع محتوى، ناشط، وحتى المهتمين، أقول لهم:  لنبذ القبلية، آفةٌ كل من يبررها خاسر. والسلام نبنيه لبلدنا، وأي حقٍ مظلوم نرده. ولا بد أن ندعو للسلام والمحبّة ووقف الحرب؛ لأن شعبًا ما زال يعاني في الملاجئ والتشريد والنزوح والإهانة والمرض والفقر. كونوا حماماتٍ ورُسل سلام، لا تدعوا للحرب والدمار والخراب، ومن يفعل ذلك أتمنى من الله أن يهديه إلى رشده. ومن هنا أشكر من كان صوته عاليًا ضد هذه الحرب من المبدعين، وأشكر أساتذتنا وعمالقة أغنية الطنبور الذين ساندوا معسكر السلام بكل صدق وثبات.

كما أخص بالذكر الشاعر المربّي عبد القادر محمد عبد القادر وأغنية السلام (لازم تقيف). والشاعر المناضل الشريف الحمدابي وأغنية السلام (رافضين الحرب). لهم منّي جميعًا كل الحب والتقدير، ولكل من تغنيت بكلماتهم.

  •  هل تستطيع الأغنية باللهجة المحلية أن تعبّر عن السودان كله؟ ولماذا؟

– نعم، لأن اللهجة العربية المحلية هي الأكبر، وهي أحد أقوى أدوات الوصول والتعبير، بالإضافة إلى صدق كلماتها وإحساسها وملامستها الوجدانية المباشرة، أشبه بأغنية الحقيبة التي ما زالت واصلة إلى وجدان الشعب السوداني.

  • ما سر وجدان منحنى النيل الذي يجعل المستمعين من مختلف مناطق السودان يتفاعلون معه؟

– السر يكمن في ما ذكرته سابقًا، وأظن أنني ذكرته في إجابتي عن السؤال السابق.

  • ماذا تقول لجمهورك وقرّاء (ملف الهدف الثقافي) الذين ينتظرون أعمالك القادمة؟

– أقول لجمهوري أولًا: أطمئنكم أنني بخير والحمد لله، لكني فاقدكم بشدّة بسبب هذه الحرب العبثية والغربة القاسية. وكل أملي أن نلتقي جميعًا في حضن البلد الدافئ ووسط ترحاب ناسنا قولًا: عوافي، وننعم بحكمٍ مدني ديمقراطي حقيقي يدعو للحرية والسلام والعدالة والتنمية.

وأقول لقرّاء (الهدف) إنني كنت خفيفًا ولطيفًا عليكم من كللٍ أو ملل، وشكرًا من القلب لكل من مرّ عليّ هذه المادة التعريفية الصحفية، وأشكر كل من هم خلف هذا الملف الثقافي في صحيفتنا العملاقة. شكرًا الأعزاء عبد المنعم مختار، وصديقي وأخي الأكبر هاشم قنيب.

  •  كلمة أخيرة عن الوطن.. وعن الأمل.. وعن حلمك الفني في المستقبل.

– الوطن لا أستطيع أن أعبّر عنه بالأحرف والكلمات، فهو شيء كبير جدًا بداخلي، أحمله بكل تفاصيله المفرحة والمحزنة. وأستعد خلال شهر رمضان للالتقاء بكم عبر برنامج بعنوان (استديو الفن والثقافة والسلام) من إنتاج منتدى (قواديس ياسر الحجير)، عبر قنواتي وصفحاتي على وسائل التواصل الاجتماعي. مودتي، حبّي، وإخلاصي لكم جميعًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.