محمد الحاج
يستبدُّ بنا الأسى، وتعتصر قلوبنا الحسرة، حين نرى طبول الـ ح.رب لا يقرعها الدهماء فحسب، بل يتصدَّر مشهدها المحسوبون على بُؤَر الاستنارة وحقول المعرفة. أولئك الذين غَفَتْ عقولهم في ظلال السهولة والاستسهال، وارتهنوا لوَهْم “الـ ح.رب الخاطفة” و”النصر الحاسم”، فغابت عن بصائرهم بدائل السلام، واعتنقوا الـ ح.رب خياراً وحيداً، وكأنها قَدَرٌ إلهيٌّ وليست حماقةً بشريةً كبرى. إن الـ ح.رب، يا سادتي، ليست نُزهةً خلوية، ولا هي لعبةٌ إلكترونيةٌ أبطالها جنودٌ افتراضيون. إنها الضريبة الباهظة، والأكلاف الهائلة التي تُدفع من دمائنا المسفوحة، وأشلائنا المبعثرة، وخطانا الهائمة، وقُوتنا المسلوب، ومواردنا المنهوبة. الـ ح.رب هي محرقة البشر، ومرارة النزوح، وضراوة الجوع، وذل التشرد، ومجرفة القيم، والمستنقع الآسن، والغول الذي يلتهم أحلام الصغار وتطلعات المستقبل. الـ ح.رب هي اعتلالات النفس وانكسارات الروح، والمعاناة والهول الساحق، والبؤس الماحق. إنها المأساة التي لا تنقلها شاشات التلفزة، ولا تصفها كلمات المراسلين ببرودها. إنها ببساطة الكارثة المزلزلة التي لا تُبقي ولا تذر. الدور الذي يلعبه دعاة الـ ح.رب يتجاوز مجرد التحريض، إنهم شركاء أصيلون في كل دم يُهدر ونفس تُزهق. إنهم يمارسون هندسة الخراب، ويقطعون الطريق أمام السلام عبر:
-
تزييف الوعي ومصادرة بدائل السلام، من خلال صبغ الـ ح.رب بصبغة القداسة أو الضرورة الوجودية، مما يجعل أي صوت ينادي بالحوار يبدو خائناً أو عميلاً متخاذلاً. وهذا يضيق فرص السلام، ويغلق الأبواب أمام أي مبادرة سياسية، ويحبس المجتمع في نفق الـ ح.رب اللا نهائي.
-
شيطنة الآخر وسد منافذ التواصل، مستخدمين خطاب الكراهية الذي يحوّل الخصم السياسي إلى عدو وجودي لا يمكن العيش معه، مما يرفع سقف التوقعات الشعبية إلى حد “الإبادة الكاملة”، وهي غاية مستحيلة تطيل أمد المعاناة. الاستثمار في الفوضى، بالنسبة إلى “حَمَالي الحطب” والمستفيدين من اقتصاد الـ ح.رب، فإن توقف المدافع يعني توقف تدفق الأموال والامتيازات. لذا، يُخلقون عراقيل نفسية وفكرية كلما اقترب الطرفان من طاولة المفاوضات. ويمكن تصنيف المحرّكين لهذا المشهد العبثي إلى فئات تقتات على الدم:
-
أصحاب العقول المفخخة والنفوس الموتورة: أولئك الذين يحملون ذواكر مجروحة، ويريدون تصفية حساباتهم التاريخية على حساب جثث الأبرياء.
-
حراس الامتيازات وسَدَنة السلطة: الذين يظنون أن السلطة “محفظة نقود” يمكن التقاطها بمجرد المرور فوق جثامين الضحايا. أصحاب الأقلام المأجورة وفقهاء الموت: الذين يبيعون مدادهم لمن يدفع، ويفتون بهدم البيوت على ساكنيها بدم بارد، محوّلين الكلمة إلى فخ والفتوى إلى لغم.
-
ذوي العقل الغافل: الذين لا يدركون مآلات الأمور، فيندفعون خلف الشعارات الزائفة والشعبوية، ليجدوا أنفسهم في النهاية يعضّون بنان الندم. ونذكّر أصحاب الذواكر المثقوبة بحقيقة دامغة: لم يحدث في التاريخ الحديث أن التقى جيشان فأفنى أحدهما الآخر تماماً. كل الـ ح.روب تنتهي عند طاولة الحوار. خير شاهد على ذلك تمرد كتيبة الإستوائية عام 1955، تلك البذرة التي سُقيت بالتفكير الاستعلائي ورفض الحلول السياسية، فأثمرت حـ.رباً استمرت نصف قرن وانتهت بتمزيق الخارطة وفصل الجنوب. إن إصرار دعاة الـ ح.رب على الهروب من الحوار هو تكرار للفشل التاريخي ذاته، ولكن بكلفة أعلى. هنا نناشد أصحاب العقول المعمَّدة بقيم الرجولة، والمطرّزة بخرز البصيرة، والمضاءة بقناديل الحكمة، من السياسيين والشخصيات الوطنية، وأساتذة الجامعات، والمفكرين، والشباب النابض بالحياة، أن يستنهضوا موروثهم الحافل بالمكرمات، ويتنادوا لوقف هذه الـ ح.رب العبثية. الشجاعة الحقيقية ليست في السير في طابور الـ ح.رب، ولا في الصراخ خلف الميكروفونات طلباً للمزيد من الدم. الشجاعة هي الجهر بكلمة السلام، والاعتراف بأن الوطن يسع الجميع، وأن الأوطان لا تُبنى على أنقاض البيوت المحطمة وجماجم البشر، بل بالعقول التي تدرك أن قيمة الإنسان أكبر من كراسي الحكم، وأن دمه أغلى من الذهب. وأخيراً، ننكز أصحاب العقل الغافي وقارعي الطبول ونافخي كير الـ ح.رب بقول امرئ القيس: وَالحَربُ أَوَّلُ ما تَكونُ فُتيَّةً تَسعى بِزينَتِها لِكُلِّ جَهولِ حَتّى إِذا اشتَعَلَت وَشَبَّ ضِرامُها عادَت عَجوزاً غَيرَ ذاتِ خَليلِ
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحاج #لا_للـ_ح.رب #السلام_السوداني #السودان #نقد #فكر #٢٠٢٦

Leave a Reply