أنا صحراء الظمأ..

صحيفة الهدف

 الطيب صالح

ثلاثون عاماً، كان شجر الصفصاف يبيض ويخضر ويصفر في الحدائق، وطير الوقوق يغني للربيع كل عام. ثلاثون عاماً وقاعة البرت تغصّ كل ليلة بعشاق بيتهوفن وباخ، والمطابع تخرج آلاف الكتب في الفن والفكر. مسرحيات برنارد شو تُمثّل في الرويال كورت والهيماركت. كانت إيدث ستول تغرّد بالشعر، ومسرح البرنس أف ويلز يفيض بالشباب والألق. البحر في مدّه وجزره في بورتموث وبرايتن، ومنطقة البحيرات تزدهي عاماً بعد عام. الجزيرة مثل لحن عذب، سعيد وحزين، في تحوّل سرابي مع تحول الفصول. ثلاثون عاماً وأنا جزء من كل هذا، أعيش فيه، ولا أحس جماله الحقيقي، ولا يعنيني منه إلا ما يملأ فراشي كل ليلة..

سألتني ونحن نشرب الشاي عن بلدي، رويت لها حكايات ملفقة عن صحاري ذهبية الرمال وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها. قلت لها إن شوارع عاصمة بلادي تعجّ بالأفيال والأسود وتزحف عليها التماسيح عند القيلولة. انقلبت في نظرها مخلوقاً بدائياً عارياً يمسك بيده رمحاً وبالأخرى نشّاباً يصيد الفيلة والأسود في الأدغال..

وسألتني: “ما جنسُك؟ هل أنت إفريقي أم آسيوي”؟ قلت لها: “أنا مثل عطيل. عربي إفريقي”. “نعم، هذا أنا، وجهي عربي كصحراء الربع الخالي، ورأسي إفريقي يمور بطفولة شريرة.. أنا صحراء الظمأ”. كانت عكسي تحنّ إلى مناخات استوائية وشموس قاسية وآفاق أرجوانية.. وأنا جنوب يحنّ إلى الشمال والصقيع.

في المحكمة التي عُقدت لمحاكمته بعد أن اعترف بقتل جين مورس، قال له القاضي في محكمة الأولد بيلي: “إنك يا مستر مصطفى سعيد، رغم تفوّقك العلمي، رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة”. وقال له أستاذه مرة: “أنت يا مستر سعيد خير مثال على أنّ مهمتنا الحضارية بإفريقيا عديمة الجدوى، فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة”.

من رواية: (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #الطيب_صالح #موسم_الهجرة_إلى_الشمال #أدب_سوداني #رواية #السودان #٢٠٢٦

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.