محمد شريف
صدرت مؤخرًا ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م عن وزارة المالية السودانية، حاملةً في طياتها لغةً إجرائيةً صارمة تهدف إلى “حشد الموارد والصرف وفقًا للأولويات”. ومع ذلك، فإن التحليل العميق لهذه الضوابط يكشف عن فجوة بنيوية بين “النص القانوني” و”الواقع العملي” المأزوم بفعل الحـ.رب والفساد وتعدد مراكز القوى المسلحة.
أولًا: معضلة “ولاية المالية” وسط الاقتصاد الموازي تشدّد الموجهات على تأكيد ولاية وزارة المالية على المال العام ومحاربة “تجنيب الإيرادات”.التحدي الواقعي: في ظل سيطرة المليشيات المتفلّتة والقوى المسلحة على طرق التجارة ومناطق الإنتاج، نشأت قنوات تحصيل غير رسمية تذهب لمصلحة “أمراء الحـ.رب” بدلًا من الخزينة العامة.
-
الإيرادات الرقمية: تنص الضوابط على التحصيل عبر النظم الإلكترونية حصرًا، ومنع الإيصالات الورقية إلا للضرورة. عمليًا، يمثل هذا تحديًا تقنيًا كبيرًا في ظل تدهور شبكات الاتصال والبنية التحتية، مما يجعل “الضرورة القصوى” لاستخدام الورق هي القاعدة لا الاستثناء، وهو ما يفتح ثغرات واسعة للفساد المالي.
ثانيًا: فخ “بند السلام” وتفلتات الشركاء تشير الضوابط صراحة إلى أن الصرف على أطراف سلام جوبا يتم خصمًا على “بند السلام”.
-
مخاطر الالتزام: يمثل هذا البند “ثقبًا أسود” في الميزانية؛ حيث إن الضغوط السياسية والعسكرية التي تمارسها بعض الفصائل المسلحة (التي توصف بالمتفلّتة) تجعل من الصعب إخضاع صرفها لرقابة ديوان الحسابات أو المراجعة الداخلية كما تقضي النصوص.
-
الفساد المؤسسي: تبدو مطالبة هذه الجهات بالالتزام بقانون الشراء والتعاقد غير واقعية في ظل بيئة أمنية تفرض “الاستثناءات” كأمر واقع لحماية التحالفات السياسية.
ثالثًا: إدارة النفقات وترشيد “الترف الإداري” جاءت الضوابط ببنود قاسية لترشيد الصرف، مثل إيقاف إيجارات العقارات للسكن واسترداد بدل السكن في حال المخالفة.
-
المرتبات والأجور: تهدف إلزامية صرف مرتبات يناير 2026 وفق كشوفات ديسمبر 2025 إلى ضبط القوى العاملة الفاعلة، لكنها تصطدم بواقع النزوح الواسع وفقدان السجلات في الولايات الملتهبة، مما قد يؤدي إلى ظهور “وظائف وهمية” أو حرمان مستحقين نتيجة ضعف الرقابة الميدانية.
-
إيجار العقارات: مع انتقال الوزارات إلى الخرطوم وعدم تهيئة المباني الحكومية، اعتمدت الدولة على إيجار عقارات للإدارة والسكن. ومع عدم تناسب قيمة الإيجارات مع بدل السكن، يُتوقع التوسع في الإيجارات على حساب هذا البدل.
-
السفر الخارجي: تكرّر الموازنة منع السفر والتدريب الخارجي إلا بموافقة مجلس الوزراء. تاريخيًا، تُعد هذه البنود الأضعف أمام “التجاوزات السيادية” والوفود الرسمية التي تستنزف النقد الأجنبي الشحيح.
رابعًا: الرقابة والشفافية (بين المطرقة والسندان) تلزم الضوابط كافة الوحدات برفع تقارير شهرية وربع سنوية، وتفعيل دور المراجعة الداخلية.
-
مع تشتّت الكادر المحاسبي والرقابي في ولايات مختلفة بسبب الحـ.رب، يصبح “تفعيل دور أجهزة الرقابة” شعارًا يصعب ترجمته إلى واقع فعّال.
-
وضع شروط صارمة للحصول على اعتماد المالية قبل تنفيذ أي مشروع ممّول خارجيًا يعد خطوة جيدة، لكنها قد تصطدم ببيروقراطية معقّدة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تدفقات سريعة لمواجهة الكوارث الإنسانية.
خاتمة: إن ضوابط موازنة 2026 هي وثيقة “نموذجية” في ظروف “غير طبيعية”. فالنجاح في تنفيذها لا يتوقف على صرامة النصوص، بل على الإرادة السياسية لضبط شركاء السلام، وقدرة وزارة المالية على استعادة أدواتها التقنية والرقابية في ظل سيولة أمنية تهدد بتآكل ما تبقى من هيبة الدولة المالية. وبدون استقرار أمني شامل، ستظل هذه الضوابط مجرد “توصيات إدارية” أكثر من كونها “قواعد ملزمة”.
#السودان #موازنة_2026 #صحيفة_الهدف #الاقتصاد_السوداني #وزارة_المالية #لا_للـ_ح.رب #فساد #شفافية #أخبار_السودان #الذكاء_الاصطناعي #تحليل_سياسي

Leave a Reply