الاستراتيجية والتكتيك في الفكر البعثي: بين ثبات المبادئ ومرونة الممارسة

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

المقدمة: (عندما يلتقي المطلق بالمتغير): في قلب الفكر السياسي الثوري يقع التوتر الخلاق بين ثوابت المبادئ ومتغيرات الواقع، بين استراتيجية المبادئ التي تنبع من العمق الفلسفي للحزب، وتكتيكات الممارسة التي تستجيب لتحديات اللحظة التاريخية. الفكر البعثي، في جوهره، يعيش هذه المعادلة الجدلية: فهو يؤمن بالمبادئ الخالدة للوحدة والحرية والاشتراكية، ويعمل في الوقت نفسه في واقع متغير يعج بالتعقيدات والتناقضات.

عند العودة إلى النصوص التأسيسية للفكر البعثي، وبشكل خاص دستور الحزب ونصوص الأستاذ ميشيل عفلق في بندر سبيل البعث، يتضح أن التمييز بين الاستراتيجية والتكتيك ليس اجتهاداً تنظيمياً لاحقاً، بل هو كامن في البنية الفكرية الأولى للحزب. فالدستور يحدد بوضوح الغايات التاريخية الثابتة للأمة العربية في ثلاثية: الوحدة والحرية والاشتراكية، وهي ليست شعارات مرحلية، بل تمثل الأفق الاستراتيجي الدائم الذي يحدد معنى وجود الحزب ذاته. هذه الغايات تُعرّف الاستراتيجية بوصفها اتجاهاً تاريخياً لا يتبدل بتبدل الظروف.

في المقابل، فإن وسائل الوصول إلى هذه الغايات لم تُحدد في نصوص الدستور على نحو جامد، بل تُركت لقراءة الواقع وتحليل شروطه الموضوعية، وهو ما يفتح المجال لما يمكن تسميته بالتكتيك السياسي المرحلي. فالوحدة قد تمر بمراحل، والحرية قد تُنتزع بأشكال مختلفة، والاشتراكية قد تُبنى بتدرج تاريخي. بهذا المعنى، فإن الاستراتيجية في الفكر البعثي هي تحديد (إلى أين)، بينما التكتيك هو الاجتهاد الدائم في (كيف) و(متى) و(بأي وسيلة) في ضوء موازين القوى والظروف التاريخية.

أولاً: التعريفات الفلسفية والتنظيمية:

1. الاستراتيجية: (الأفق الذي لا يتحرك): في الفكر البعثي، الاستراتيجية هي الخطة الكبرى التي تترجم المبادئ إلى أهداف تاريخية. إنها:

أ‌. الرؤية الكلية: لماذا يوجد الحزب؟ وما هي الغاية النهائية لوجوده؟

ب‌. الإطار الزمني الطويل: يشمل عقوداً بل قروناً من النضال

ت‌. الثوابت التي لا تتغير: الوحدة العربية، التحرر، الاشتراكية

ث‌. الخريطة التي تحدد الاتجاه: نحو أمة عربية واحدة حرة اشتراكية

خصائص الاستراتيجية البعثية:

أ‌. شمولية: تغطي كل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية

ب‌. تراكمية: تبنى على إنجازات الماضي وتتطلع إلى مستقبل الأجيال

ت‌. مرجعية: تكون معياراً لتقييم كل القرارات الجزئية

ث‌. تربوية: تشكل الوعي الجمعي وتوجهه نحو الأهداف الكبرى

2. التكتيك: الفن المرن للمواجهة: أما التكتيك فهو فن تحويل الاستراتيجية إلى ممارسة يومية. إنه:

أ‌. الخطة المرحلية: كيف نصل إلى الهدف في هذه الظروف المحددة؟

ب‌. الزمني القصير والمتوسط: شهور، سنوات، ولايات انتخابية

ت‌. المتغير الذي يتكيف: التحالفات، الشعارات، الأولويات

ث‌. الأدوات العملية: كيف ننظم؟ كيف نتحرك؟ كيف نكسب التأييد؟

خصائص التكتيك البعثي:

1. واقعية: تنطلق من تحليل دقيق لموازين القوى

2. مرنة: قابلة للتعديل مع تغير الظروف

3. ذكية: تستغل الفرص وتتجنب المخاطر

4. تراكمية: كل تكتيك ناجح يبني لبنة للخطوة التالية

ثانياً: الجدلية البعثية بين الثابت والمتغير

1. الثنائية الخلاقة: الفكر البعثي يرفض الثنائيات الزائفة ويؤسس لجدلية خلاقة:

أ‌. ليس: تصلب استراتيجي يرفض المرونة التكتيكية

ب‌. وليس: مرونة تكتيكية تصل إلى حد التخلي عن الثوابت

ت‌. بل هو: ثبات في الأهداف، مرونة في الوسائل

مبدأ الأستاذ ميشيل عفلق الشهير: (الثابت في الفكرة، المتحرك في العمل) هذا ليس شعاراً بل منهجية تفكير سياسي متكاملة.

أمثلة تاريخية

1. في مسألة الوحدة العربية:

أ‌. الاستراتيجية: تحقيق الوحدة الكاملة

ب‌. التكتيك: قد يكون عبر اتحاد كونفدرالي، ثم فيدرالي، ثم كامل

2. في مسألة التحرر:

أ‌. الاستراتيجية: التحرر الكامل من الهيمنة

ب‌. التكتيك: قد يكون عبر مفاوضات، أو مقاطعة، أو تحالفات مؤقتة

3. في مسألة الاشتراكية:

أ‌. الاستراتيجية: بناء المجتمع الاشتراكي

ب‌. التكتيك: قد يكون عبر تأميم تدريجي، أو شراكة مع القطاع الخاص في مراحل

ثالثاً: لماذا فشلت حركات سياسية كثيرة؟ لأنها خلطت بين الاستراتيجية والتكتيك

إن مراجعة تجارب الحركات السياسية في الوطن العربي تكشف أن كثيراً من الإخفاقات لم يكن سببه ضعف الفكرة أو غياب التأييد الشعبي، بل الخلط بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي. فقد تحولت وسائل مرحلية إلى أهداف نهائية، وأصبحت التحالفات المؤقتة خيارات دائمة، وتحولت الشعارات الكبرى إلى ممارسات جزئية معزولة عن سياقها التاريخي.

بعض الحركات ذابت في العمل اليومي وفقدت أفقها التاريخي، فأصبحت أسيرة الانتخابات والتحالفات واللحظة الراهنة. وأخرى تشبثت بشعاراتها الكبرى دون أن تمتلك أدوات مرنة للتعامل مع الواقع، فتحولت إلى كيانات خطابية معزولة. وفي الحالتين، كان السبب واحداً: غياب الوعي بالفرق الجوهري بين الاستراتيجية بوصفها اتجاهاً تاريخياً، والتكتيك بوصفه إدارة مرحلية للصراع.

هذه الإشكالية لم تقتصر على التجربة البعثية، بل ظهرت في تجارب قومية ويسارية ووطنية عربية متعددة، حيث أدى هذا الخلط إلى إما التفريط بالمبادئ تحت ضغط الواقع، أو العجز عن التأثير في الواقع تحت ضغط الشعارات.

ثالثاً: خطورة الخلط والانحراف:

1. المرض الأول: تحويل التكتيك إلى استراتيجية: هو أخطر أمراض العمل السياسي، عندما:

أ‌. المؤقت يصبح دائماً: التحالف المؤقت يتحول إلى تحالف استراتيجي

ب‌. الوسيلة تصبح غاية: الكرسي الانتخابي يصبح هدفاً بذاته

ت‌. الجزء يطغى على الكل: قضية جزئية تطغى على المشروع الكلي

عواقبه:

أ‌. تضييع البوصلة الاستراتيجية

ب‌. انهيار الشرعية الأيديولوجية

ت‌. تحول الحزب إلى مجموعة مصالح آنية

2. المرض الثاني: جمود استراتيجي بلا تكتيك مرن/ عندما تتحول الاستراتيجية إلى شعارات مجردة بلا ترجمة عملية:

أ‌. الشعار يغلب العمل: (الوحدة العربية) تتحول إلى هتاف بلا خطة

ب‌. المبدأ يصبح عائقاً: الرفض المبدئي لأي تعاون يصل إلى حد العزلة

ت‌. النقاء الأيديولوجي يتحول إلى عقم سياسي

عواقبه:

أ‌. انفصال الحزب عن الواقع

ب‌. فقدان التأثير والتأييد الشعبي

ت‌. تحوله إلى نادٍ فكري منعزل

3. المرض الثالث: انفصام بين القيادة والقاعدة: عندما تفهم القيادة التكتيك ولا توضح للقاعدة ارتباطه بالاستراتيجية:

أ‌. الانقسام الداخلي: قاعدة تظن القيادة خائنة، وقيادة تظن القاعدة متصلبة

ب‌. فقدان الثقة: الشك في النوايا، الاتهامات المتبادلة

ت‌. شلل الحركة: انشغال بالخلافات الداخلية بدلاً من المواجهة الخارجية

رابعاً: تعزيز الثقافة الاستراتيجية-التكتيكية

1. في التنظيم الحزبي:

أ‌. التعليم السياسي المستمر:

– دورات تشرح الفرق بين الاستراتيجية والتكتيك

– دراسات حالة من تاريخ الحزب والعالم

– حوارات مفتوحة حول الخيارات التكتيكية وعلاقتها بالأهداف الاستراتيجية

ب‌. الهيكل التنظيمي الواعي:

– مؤسسات للتفكير الاستراتيجي (مراكز دراسات، لجان فكرية)

– آليات للمراجعة التكتيكية الدورية

– قنوات اتصال فعالة بين مختلف المستويات التنظيمية

ت‌. الثقافة الديمقراطية الداخلية:

– حرية النقاش حول التكتيكات مع الالتزام بعد اتخاذ القرار

– مشاركة القاعدة في فهم الخيارات التكتيكية

– تقييم مستمر للنتائج وتصحيح المسار

2. في الممارسة اليومية

أ‌. وثيقة استراتيجية واضحة:

– يشارك في صياغتها ممثلون عن كل المستويات

– تكون مفهومة وواضحة للكادر الأساسي

– تُراجع دورياً دون المساس بالثوابت

ب‌. خطط تكتيكية مرحلية:

– تحدد لكل مرحلة أولوياتها ووسائلها

– تكون مرنة قابلة للتعديل

– تربط دائماً بالاستراتيجية الكبرى

ت‌. آليات تقييم ومراجعة:

– مؤشرات أداء واضحة

– تقارير دورية عن مدى التقدم

– جلسات تقييم نقدية شفافة

خامساً: البعث والنموذج المتوازن:( خصوصية التجربة البعثية): البعث ليس تنظيماً سياسياً عادياً، بل هو حركة أمة، وهذا يمنحه خصوصية في التعامل مع الاستراتيجية والتكتيك:

1. البعد القومي:

أ‌. الاستراتيجية البعثية هي استراتيجية أمة، وليست استراتيجية حزب

ب‌. التكتيكات يجب أن تخدم المصالح القومية العليا

ت‌. أي تكتيك يضر بوحدة الأمة أو سيادتها مرفوض حتى لو كان مفيداً للحزب

2. البعد التاريخي:

أ‌. البعث ينظر إلى النضال من منظور تاريخي طويل

ب‌. الهزائم التكتيكية المؤقتة لا تعني فشل الاستراتيجية

ت‌. الانتصارات التكتيكية ليست غاية بل خطوات في طريق طويل

3. البعد الأخلاقي:

أ‌. الوسائل التكتيكية يجب أن تكون أخلاقية

ب‌. لا غاية تبرر الوسيلة إذا خالفت المبادئ

ت‌. النضال من أجل الحرية يجب أن يكون حراً في وسائله

سادساً: تحديات العصر الراهن:

1. في زمن العولمة والثورة الرقمية

أ‌. سرعة التغير:

– الأحداث تتسارع، القرارات يجب أن تكون سريعة

– لكن الاستراتيجية تحتاج إلى تأمل وتروي

– المطلوب: آليات سريعة لاتخاذ القرارات التكتيكية دون التسرع في الاستراتيجية

ب‌. تعقيد الواقع:

– تتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية

– يصعب الفصل بين السياسي والاقتصادي والثقافي

– المطلوب: تفكير متعدد المستويات ومتداخل التخصصات

ت‌. الثورة الاتصالية:

– الرأي العام يصبح فاعلاً مباشراً

– الشفافية تصبح ضرورة لا خياراً

– المطلوب: تكتيكات اتصالية ذكية تخدم الاستراتيجية

2. في زمن الانقسامات العربية

أ‌. تشتت القوى القومية:

– الأحزاب السياسية (القومية) منقسمة ومتفرقة

– يصعب تنسيق التكتيكات على المستوى القومي

– المطلوب: تكتيكات تحافظ على الوحدة الاستراتيجية مع الاعتراف بالتعددية التكتيكية

ب‌. صعود القوى الطائفية والإثنية:

– الخطاب القومي يواجه خطاباً طائفياً وإثنياً و(دينياً)

– التكتيكات يجب أن تواجه هذا دون الانزلاق إليه

– المطلوب: تكتيكات تعزز الهوية الوطنية الجامعة

ت‌. التدخلات الخارجية:

– القوى الدولية تتدخل في الشؤون العربية

– التكتيكات يجب أن توازن بين المواجهة والتفاعل

– المطلوب: تكتيكات ذكية تحافظ على السيادة دون عزل دولي

سابعاً: هذا المفهوم ليس حزبياً بل قانون في العمل السياسي: إن التمييز بين الاستراتيجية والتكتيك لا يخص حزباً بعينه، ولا يقتصر على تجربة سياسية محددة، بل يمثل قانوناً عاماً في العمل السياسي لكل الحركات الوطنية والتحررية. فكل مشروع يسعى إلى تغيير تاريخي طويل المدى يحتاج إلى وضوح في أهدافه الكبرى، وفي الوقت نفسه إلى مرونة عالية في إدارة الوسائل المرحلية.

التجارب القومية العربية، كما تجارب حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تؤكد أن النجاح السياسي لا يتحقق بثبات الشعارات وحده، ولا بمهارة المناورة وحدها، بل بالقدرة على الجمع بين وضوح الرؤية التاريخية وذكاء الحركة في الواقع. من هنا، يصبح هذا المفهوم صالحاً لكل حركة وطنية تريد أن تتجنب الوقوع بين تطرفين: الجمود العقائدي الذي يعطل الفعل، والانتهازية السياسية التي تفرغ الفكرة من معناها. بهذا المعنى، فإن العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك ليست مسألة تنظيمية داخلية، بل هي معيار نضج سياسي لأي مشروع يسعى إلى بناء دولة، أو تحرير وطن، أو توحيد أمة.

الخاتمة: (نحو ثقافة سياسية ناضجة): الفرق بين الاستراتيجية والتكتيك ليس فرقاً أكاديمياً بل هو قضية حياة أو موت للمشروع القومي التحرري. البعث العربي الاشتراكي، بوصفه حامل هذا المشروع، مطالب بأن يكون المثال في التوازن بين ثبات المبادئ ومرونة الممارسة. فالمطلوب اليوم:

1. تأسيس مراكز فكرية تعيد صياغة الاستراتيجية البعثية في ضوء تحولات القرن الحادي والعشرين

2. تطوير آليات ديمقراطية لاتخاذ القرارات التكتيكية ومراجعتها

3. تعميق الحوار الداخلي حول العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك

4. بناء جسور مع القوى الوطنية الأخرى لتنسيق التكتيكات مع الحفاظ على الخصوصية الاستراتيجية

كما قال الأستاذ القائد المؤسس) ليست القيمة في معرفة الحقيقة وحدها، بل في تحويلها إلى قوة تغير الواقع (هذه هي المعادلة الصعبة والجميلة: أن نكون أوفياء بما يكفي لنحافظ على الجوهر، وأذكياء بما يكفي لنغير الشكل. المستقبل ليس لمن يملك القوة فقط، بل لمن يملك الحكمة في استخدامها. والحكمة السياسية تكمن في هذه القدرة الخارقة: أن تبقي عينيك على النجوم (الاستراتيجية) وقدميك على الأرض (التكتيك).

فالبعث الذي يقود الأمة العربية عليه أن يكون قدوة في الفكر الاستراتيجي العميق والممارسة التكتيكية الذكية. لأن الأمة لا تتبع من يخدعها بتكتيكات بارعة بلا استراتيجية، ولا من يعظها باستراتيجيات مجردة بلا تكتيكات واقعية. الأمة تتبع من يجمع بين صدق الرؤية وكفاءة التنفيذ.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.