الحاوية الصفراء(Gelbe Tonne): .. حين تلتقي الذاكرة بالمسؤولية

صحيفة الهدف

د.حنان الهادي
جعلتُ من المشي عادةً يومية .ليس فقط لاكتشاف ملامح الريف الجميل على ضفة نهر الريمس، ولا لاستنشاق هواء المزارع النقي، ولا حتى لحرق بعض السعرات الحرارية غير المرغوب فيها، بل لأخفّف عن نفسي ثِقل قلق يسكنني على الوطن.. بلغة الخواجات: Stress Management.
في أمسية صيفية ماطرة، خرجتُ كعادتي أسلك نفس الطريق مشيًا نحو القرية المجاورة. كان المشهد مختلفًا هذه المرة. الطريق مُزيَّن بالأصفر.. حاويات صفراء مصطفّة على امتداد البصر، وبعض السكان أضافوا لمسات صفراء صغيرة تملأ الفراغات أمام بيوتهم (أكياس صفراء)، وكأن الشارع يستعد لحدثٍ ما.
فعرفت سريعًا: غدًا صباحًا موعد نقل النفايات البلاستيكية والمعدنية. فلكل نوع من نفايات المنازل هنا يومه المحدّد، نظام صار عادة.. وعادة صارت ثقافة.
الحاوية الصفراء مخصصة للبلاستيك، وعلب المعدن، ومواد التغليف، وللزجاجات البلاستيكية التي لا تخضع لنظام رسوم استرداد العبوات (Pfand).
واصلتُ طريقي وسط هذا الأصفر البهيّ، والمطر أضاف للحاويات بريقًا خاصًا، بلورات صغيرة تعكس اللون الأصفر وضوء الشمس معًا، فتبدو كأنها لآلئ مبعثرة على جانبي الطريق. ومن قلب هذا الجمال.. خرجت من ذاكرتي صورة أخرى! صورة قوية.. موجعة.. لا تستأذن. طفلان يجلسان تحت سور منزل جميل في حي كافوري، مربع 9. السور يحجب حديقة رائعة صُممت بيد فنان، لوحة مكتملة الألوان.
لكن اللوحة الأقوى لم تكن الحديقة.. بل كان الطفلان بين التاسعة والثالثة عشرة، رثا الثياب، منهكين من حرارة الشمس، وبجانبهما أكياس ضخمة لا تناسب حجميهما الصغيرين، ممتلئة بزجاجات بلاستيكية فارغة. تلك التي نرميها نحن بلا اكتراث، فتتناثر في الطرقات، وفي أماكن النفايات، وأحيانًا على طول الشوارع الرئيسية، وحتى في الشوارع الجميلة مثل شارع النيل. يأتي هؤلاء الأطفال لالتقاطها، يجمعونها واحدة واحدة، ويسيرون بها مسافات طويلة، ليحصلوا في النهاية على حفنة صغيرة من المال.. لا تشتري طفولة، ولا تحقق حلمًا.
وقفت الذاكرة هنا، ووقفت أنا هناك، وسط الحاويات الصفراء اللامعة في قرية أوروبية هادئة، أتساءل: ماذا لو كانت ثقافة فرز النفايات عادة في وطني؟ ماذا لو أصبح البلاستيك مورّدًا لا عبئًا؟ ماذا لو تحوّلت الزجاجة الفارغة إلى مقعد دراسة، وإلى كتاب، وإلى تعليم مجاني، وإلى طفولة مستقرة تليق بهؤلاء الأطفال؟
الحاوية الصفراء ليست مجرد وعاء للنفايات، بل هي فكرة.. هي نظام.. هي احترام للإنسان قبل البيئة. ربما لا نملك كل الإمكانيات، لكننا نملك الوعي، ونملك القدرة على البدء.. فدعونا نختار أن تصبح الحاوية الصفراء رمزًا لوطن أنظف، وأطفال أقل تعبًا، ومستقبل أكثر عدلًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.