قلم: أ. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة&ماجد الغوث
مقدمة: ليس الزمن خطاً مستقيماً يمضي قدماً، بل هو دائرة كبرى تدور حول محور المصير. وما نعيشه اليوم في ساحات الخرطوم وأبيي ودارفور ليس إلا صدىً بعيداً لأصوات خرجت قبل قرن من الزمان من نوادي الأدب ومجالس المثقفين. إن التاريخ السوداني، بكل مآسيه وانتصاراته، يحمل في أحشائه قانوناً جدلياً صارماً: كل محاولة لاختطاف الوطن تولد من رحمها مقاومة. تبحث عن هويتها، وكل انقلاب عسكري يزرع في تربته بذور الثورة المدنية التي ستقلعه.
لنقرأ المشهد السوداني الراهن لا كحوادث منفصلة، بل كفصول متصلة من ملحمة وجودية واحدة، تبدأ من (فضاء 1918) الذي شهد ميلاد الوعي الوطني والقومي المنظم، وتتجه نحو (أفق 2026) الذي قد يشهد إما انبعاث الوطن أو انهيار الدولة. ما يحدث اليوم في السودان ليس حدثاً طارئاً، بل عودة لصراع قديم حول من يملك الفضاء العام: السلاح أم المجتمع.
أولاً: 1918-1956 – من الأدب إلى الدولة:
1. ولادة الوعي في زمن الاستعمار الثنائي: في ذلك الفضاء العالمي العجيب عام 1918، بينما كان العالم يخرج من ح.رب كبرى ويقف على أعتاب نظام دولي جديد، كان السودان يرزح تحت نظام (الحكم الثنائي) البريطاني-المصري. لكن من قلب هذا الثنائي الاستعماري، ولدت ثنائية مقاومة ذكية: لم تكن المواجهة بالسلاح أولاً، بل بالكلمة. فالحقيقة التاريخية، تمثلت في تأسست (جمعية اللواء الأبيض) السرية عام 1921، ثم تطورت إلى (الجمعية الأدبية) التي تحولت إلى نواة الحركة الوطنية. كان اختيار الأدب وسيلةً عميق الدلالة، فالشعر والقصة والخطابة كانت لغات مسموحة نسبياً، اخترقت بها النخبة السودانية جدار الرقابة لتنقل الوعي من النخبة إلى الشعب.
2. محطات التحول: من 1924 إلى 1947:
أ. فضاء 1924: ثورة اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف، التي كسرت حاجز الخوف ورسمت خطاً أحمر أمام الاستعمار، السودان للسودانيين.
ب. فضاء 1938: تأسيس (مؤتمر الخريجين) الذي مثل نقلة نوعية من العمل السري إلى العلني، ومن المطالب الاجتماعية إلى المطالب السياسية الشاملة.
ت. اللحظة الفارقة 1947: مؤتمر جوبا الذي حمل أفكار وحدة السودان أرضا وشعبا، حُمُلتْ هذه الأفكار الوحدوية مع وفد الحركة الوطنية الذي التقى مع ممثلي التيارات القومية العربية، ومن بينهم قادة من حزب البعث العربي الاشتراكي العام 1947. هذه اللقاءات، الموثقة في أرشيف المركز القومي للوثائق بالسودان، أسست لوعي قومي عابر للحدود.
ثانياً: 2019-2024 – انكسار الانتفاضة الثورية واغ.تيال الحلم المدني:
1. انتفاضة ديسمبر الثورية 🙁 زهرة في زمن العواصف): انفجرت انتفاضة ديسمبر الثورية 2018-2019 في سياق عالمي مغاير تماماً لفضاء 1918. فبينما كان العالم في 1918 يخرج من ح.رب كبرى نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، انطلقت انتفاضة ديسمبر الثورية في عالم تهيمن عليه القطبية الواحدة، وتسيطر عليه الرأسمالية المتوحشة. الحقيقة المريرة، ووفقاً لتقرير (مبادرة الشفافية السودانية) (2023)، كان النظام الإسلاموي قد حوّل الدولة إلى ما يشبه (الشركة العائلية)، حيث سيطرت مجموعة صغيرة على 85% من الاقتصاد الوطني عبر نظام (التمكين) الفاسد.
2. الانقلاب المزدوج: (اغتيال الفضاء المدني): لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 مجرد تحرك عسكري تقليدي، بل كان محاولة دقيقة لإعدام (الفضاء المدني) الذي أنجبته انتفاضة ديسمبر الثورية. لقد فهم الجنرالات أن الخطر الحقيقي ليس في الشارع الغاضب، بل في الوعي الجديد الذي ولد في الساحات. تمثلت الحقيقة الدامعة، في ح.رب 15 أبريل 2023 التي اندلعت بين “قوات الدعم السريع” وقيادة الجيش السوداني، كانت – حسب تحليل مركز (السياسات السودانية) في لندن – صراعاً على ثلاثة موارد أساسية:
أ. الذهب: حيث تنتج السودان حوالي 100 طن ذهب سنوياً، 80% منها يهرب عبر قنوات غير رسمية.
ب. الأراضي: الصراع على الأراضي الزراعية والحيوية في الخرطوم والمناطق الغنية بالموارد.
ت. الشرعية: من يمثل الدولة في المفاوضات الدولية التي تحدد مستقبل السودان.
ثالثاً: صحيفة (الهدف) – العودة إلى الجذور النضالية:
1. استراتيجية المواجهة الثقافية: في خضم هذا الدمار،اختار حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) استراتيجية ذكية تعيد إنتاج منطق 1918، والمتمثل في تحويل المعركة من مواجهة عسكرية غير متكافئة إلى مواجهة ثقافية وفكرية. فالحقيقة العملية، من خلال (صحيفة الهدف) وملفاتها المتخصصة (الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي، الرياضي، المرأة، الحوارات)، يجري بناء (فضاء موازٍ) للفضاء العسكري. هذا ليس هروباً من المواجهة، بل هو انتقال إلى ساحة المعركة الحقيقية، وهي معركة الوعي.
2. المحاور الأربعة للإنقاذ الوطني:
أ. الجبهة الشعبية الوطنية للديمقراطية والتغيير: ليست تحالفاً سياسياً تقليدياً، بل (وعاء جامعاً) يرفض منطق (إما معنا أو ضدنا)، ويتبنى منطق (معاً ضد العسكرة (.
ب. الهوية الوطنية والقومية: استعادة روح 1947 لمواجهة مشاريع التفتيت، حيث تشير دراسات (المعهد الأفريقي للدراسات الاستراتيجية) إلى وجود 27 مجموعة مسلحة في السودان تتبنى هويات قبلية ضيقة.
ت. الكتلة الوطنية الموحدة: بناء جدار صد ضد ارتهان القرار الوطني، خاصة في ظل تورط دول إقليمية (بحسب تقارير الأمم المتحدة) في تمويل الأطراف المتحاربة.
ث. الكتلة القومية: ربط نضال السودان بمحيطه العربي والأفريقي، لا كتبعية، بل كإعادة وصل لجذور تاريخية.
رابعاً: 2026 – استراتيجية الإنعاش الوطني من تحت الأنقاض:
1. تفكيك (اقتصاد الحرب): (جراحة وطنية عاجلة): يقترب الناتج المحلي الإجمالي للسودان من الانهيار، حيث انخفض بنسبة 40% منذ بداية الح.رب (صندوق النقد الدولي، تقديرات 2024). في مواجهة هذا الانهيار، تطرح رؤية حزب البعث عملية جراحية عاجلة: الحقيقة الاقتصادية الصادمة:
أ. الكليبتوقراطية: حسب تقرير (شبكة الشفافية الدولية) (2023)، هرب من السودان ما يقارب 150 مليار دولار خلال العقود الثلاثة الماضية.
ب. الذهب: 80% من إنتاج الذهب يهرب، فيما لو استثمرت عائداته، لكان بإمكانها تمويل إعادة إعمار كاملة.
2. محاور الإنعاش الاقتصادي:
أ. السيادة على الموارد:
– إعادة هيكلة قطاع التعدين تحت سيطرة وطنية شفافة.
– تأسيس (صندوق الأجيال القادمة) لعائدات الموارد الطبيعية.
ب. التصنيع التحويلي
– إنشاء (مدن صناعية صغيرة) في مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني.
– تحويل السودان من مصدر للمواد الخام (تصدير القطن خاماً بقيمة 0.5 دولار للكيلو) إلى منتج (تصدير أقمشة بقيمة 5 دولارات للكيلو).
ت. العدالة الاقتصادية الانتقالية
– تجميد واستعادة الأصول المهربة عبر (الوحدة الوطنية لمكافحة الفساد (.
– ربط أي استثمارات أجنبية (من الإمارات، مصر، قطر، أو الغرب) بشروط وطنية صارمة.
3. الفضاء الاجتماعي: إعادة بناء الإنسان: الحقيقة الإنسانية:
أ. 8 ملايين سوداني نازح داخلياً وخارجياً (مفوضية اللاجئين، 2024).
ب. 25 مليون سوداني (أكثر من نصف السكان) يحتاجون مساعدات إنسانية عاجلة.
الرؤية المقترحة:
أ. برامج التعافي النفسي والاجتماعي: دمج الصحة النفسية في خطط إعادة الإعمار.
ب. لجان المقاومة كرقابة شعبية: تحويل لجان المقاومة من هياكل احتجاجية إلى هياكل رقابية على مشاريع إعادة الإعمار.
4. الفضاء الثقافي – الذاكرة التي لا تُقصف: لم تكن الجمعيات الأدبية في 1918 ترفاً فكرياً، بل كانت الحاضنة الأولى للوعي الوطني. واليوم، في ظل الخراب، يعود الفضاء الثقافي ليؤدي الدور نفسه. فحين تتوقف الجامعات، وتُغلق المسارح، وتُحرق المكتبات، لا يموت الفعل الثقافي، بل ينتقل إلى الصحيفة، وإلى المنصات، وإلى حلقات النقاش الصغيرة التي تُبقي الوعي حياً. الثقافة هنا ليست إنتاجاً معرفياً فحسب، بل فعل مقاومة هادئ ضد منطق الح.رب. إنها إعادة تعريف الإنسان السوداني بعيداً عن صورته كضحية أو مق.اتل، إلى صورته كفاعل تاريخي يحمل ذاكرة وهوية ورؤية. وكما حفظ الأدب الوعي الوطني تحت الحكم الثنائي، تحفظ المقالة والكلمة اليوم بقايا الفضاء المدني من الانقراض.
5. الفضاء الرياضي – حيث تبقى الوطنية بلا شعارات: في لحظات الانقسام الحاد، حين تتشظى السياسة إلى معسكرات، يبقى الملعب أحد آخر الأماكن التي يشعر فيها السودانيون أنهم شعب واحد. الرياضة ليست ترفاً اجتماعياً، بل مساحة نادرة تذوب فيها الهويات الضيقة لصالح انتماء وطني بسيط وغير مؤدلج. المدرجات التي تهتف لفريق واحد، والشارع الذي يتابع مباراة، يصنعان لحظة وحدة لا تستطيع الخطب السياسية صناعتها. ولهذا لم يكن الاهتمام بالملف الرياضي في (الهدف) هامشياً، بل إدراكاً عميقاً بأن الرياضة تحفظ الشعور الجمعي بالانتماء عندما تعجز السياسة عن ذلك. إنها فضاء وطني طبيعي، لم تُدنّسه بعد حسابات السلاح والسلطة.
6. فضاء المرأة – العمود الصامت للفضاء المدني: إذا كان الشباب قد قادوا الحراك في الشوارع، فإن النساء كنّ العمود الفقري غير المرئي لكل مراحل الصمود السوداني. من إدارة الأسر في زمن النزوح، إلى العمل الطوعي، إلى المشاركة في لجان المقاومة، لعبت المرأة دوراً يتجاوز الحضور الرمزي إلى الفعل التنظيمي الحقيقي. إن أي حديث عن إعادة بناء الفضاء المدني دون الاعتراف بدور المرأة هو حديث ناقص. فالمرأة السودانية لم تكن فقط ضحية للحرب، بل كانت أحد أهم خطوط الدفاع المجتمعي ضد التفكك. ولهذا فإن اهتمام صحيفة الهدف بإدراج ملف، المرأة والمجتمع، ضمن اهتمامها، ليس استجابة لخطاب حقوقي معاصر فحسب، بل اعتراف بحقيقة تاريخية: أن الفضاء المدني في السودان ظل دائماً محمولاً على أكتاف النساء حين يغيب الرجال في الحروب أو السجون.
خامساً: نحو 2026 – الطريق الثالث بين المطرقة والسندان: إن الفضاء السياسي الذي نتحرك فيه اليوم يشبه ساحة معركة يحتدم فيها صراع بين مشروعين إقصائيين: مشروع عسكري يريد إعادة إنتاج دكتاتورية جديدة بمظاهر ديمقراطية، ومشروع مليشياوي يريد تفكيك الدولة لصالح إمارات قبلية. في وجه هذه الثنائية المميتة، يبرز (الطريق الثالث): ليس طريقاً وسطياً بين المشروعين، بل طريقاً مختلفاً جذرياً يعود إلى مصادر القوة الحقيقية للسودان:
1. الذاكرة التاريخية: استعادة دروس 1918: أن التغيير يبدأ بالوعي قبل السلاح، وبالتنظيم قبل المواجهة.
2. القوى الحية: الشباب الذين قادوا انتفاضة ديسمبر الثورية، النساء اللواتي كنّ عمودها الفقري، العمال والمهنيون الذين أداروا إضرابات التاريخ الطويل.
3. العمق الحضاري: السودان ليس دولة فاشلة، بل هو حضارة قديمة (مروي، كوش، النوبة) تعاني من احتلال ذاتي مؤقت.
الخاتمة: (من فضاء الاستلاب إلى أفق الانبعاث): ما بين 1918 و2026، يكمن سر المصير السوداني: الوطن الذي استطاع أن يختلق وعيها الوطني من بين فكي الاستعمار الثنائي، قادرة اليوم على أن تختلق مستقبلها من بين فكي الحرب الأهلية. إن معركتنا نحو 2026 ليست معركة على السلطة، بل معركة على المعنى: أي سودان نريد؟ سودان يُختزل في جغرافية تمزقها المليشيات، أم سودان يُفهم كفكرة حضارية تبحث عن تجسدها في دولة عادلة؟
صحيفة (الهدف) اليوم، مثل الجمعيات الأدبية عام 1918، ليست مجرد مطبوعة، بل هي فضاء مقاومة. كل مقال فيها، كل تحليل، كل مقترح، هو لبنة في بناء الفضاء المدني الذي ينهض من تحت أنقاض الدولة العسكرية.
السودان الذي نناضل من أجله ليس حلمًا رومانسيًا، بل هو ضرورة تاريخية: ضرورة إثبات أن الوطن الذي عرف كيف يولد من رحم الاستعمار، يعرف كيف يولد من رحم الفوضى.
في أفق 2026، نقف أمام خيارين: إما أن نكون جيلاً اختار أن يكون جسراً بين مأساة الحاضر وأمل المستقبل، وإما أن نكون جيلاً استسلم ليكون قبراً يحمل تاريخ وطن بأكمله.
الخيار بين هذين المصيرين لا تقرره المدافع، بل تقرره الإرادة. والإرادة، كما علمنا عام 1918، تبدأ بكلمة مكتوبة، بفكرة متداولة، بحلم يتشاركه الملايين.

Leave a Reply