كِشْ مَلِكْ….. هندسة الانتداب الجديد: كيف تُدير واشنطن “الشرق الأوسط” بعقلية البزنس ورؤوس البيادق؟

صحيفة الهدف

 

بقلم:  ماجد الغوث

هناك حقيقة مؤكدة لا تقبل التشكيك وإن أزعجت الكثيرين؛ وهي أن الإدارة الأمريكية، في نسختها الحالية والأكثر براغماتية، هي التي تدير فعلياً مفاصل الوطن العربي. لا يتم ذلك عبر الدبلوماسية التقليدية، بل عبر تنسيق حصري ومباشر مع الكيان الص.هيوني..، دون أدنى التفات للتشاور مع أي حليف إقليمي آخر، مهما بلغت مكانته أو تاريخه في “التحالف” مع واشنطن.

غزة.. من قضية تحرر إلى “مجلس إدارة”

ما يحدث في غزة اليوم هو “بروفة” لنظام عالمي جديد يُراد تطبيقه على الدول المنهكة. فرغم توقف الإبادة الجماعية شكلياً، إلا أن الحصار والق.تل لم يتوقفا. الأخطر من ذلك هو “الاختراع” الأمريكي لمجلس إدارة يتولى قطاع غزة، يضم صقور الإدارة الأمريكية مثل “روبيو”، والمجرم البريطاني “توني بلير” المتهم بج.رائم.ح.رب، والملياردير الص.هيوني “مارك روان”.

إن تعيين “حاخامات” ومهندسي اتفاقات “أبراهام” كمستشارين يشرفون على أعمال الفلسطينيين، وتسمية مفوض سامٍ بلغاري وجنرال أمريكي كقائد لقوة الاستقرار، يعني شيئاً واحداً: تحويل القضية الفلسطينية من حق تقرير مصير إلى “ملف استثماري أمني” يُدار بعقلية الشركات الكبرى، مع تهميش كامل للقرار العربي السيادي.

استراتيجية “تغذية الهشاشة”

تعتمد “أمريكا ترامب” استراتيجية ذكية في التعامل مع النزاعات الإقليمية؛ فهي تسكت على دفع دول معينة نحو “الهشاشة” (السودان، اليمن، ليبيا، لبنان)، ثم تراقب وتغذي صراع النفوذ بين القوى الإقليمية المتوسطة المتصارعة على أنقاض تلك الدول.

واشنطن لا تتدخل لإنهاء الصراع في بدايته، بل تترك الأطراف “الأحمقة” تستنزف قواها، لتأتي هي في الوقت المناسب وتفرض نفسها “حكماً” وحيداً، يفرض إنهاء الصراع مقابل صفقات اقتصادية ومصالح جيوسياسية تخدم الولايات المتحدة والكيان الص.هيوني أولاً وأخيراً.

الميدان السوري.. تشريح الجثة

تمثل سوريا النموذج الأوضح لهذا العبث؛ حيث تحولت الأرض السورية لميدان صراع نفوذ تتقاسمه القوى:

• الكيان الص.هيوني: احتل أراضٍ جديدة وتفرغ لتدمير ما تبقى من ترسانة عسكرية سورية لإنهاء مطلب عودة الجولان للأبد، تحت لافتة “حماية الأقليات” المضللة.

• تركيا: التي هيمنت على فصائل سورية وربطتها بمصالحها الاقتصادية والاستثمارية.

• واشنطن: التي تحتفظ بوجود عسكري استراتيجي لدعم “قسد” وقواعدها في التنف، لضمان بقاء خيوط اللعبة بيدها.

في هذا المشهد، يتضح أن الرابح الأكبر هو الكيان الص.هيوني الذي وضع دمشق وجنوبها تحت هيمنة أمنية مباشرة، بمباركة أمريكية تامة.

وهم النفوذ وصدمة الواقع

في وقت يغوص فيه الشارع العربي في سرديات تدمّر وحدته وسلامه الاجتماعي، يرتفع صوت بعض القوى الإقليمية “زهواً” بعلاقتها بواشنطن وتحالفها معها. هؤلاء يقعون في فخ “وهم القوة”، ولا يعون أنهم مجرد بيادق في لعبة إقليمية أكبر، يُحركها لاعب واحد لا يسمح لأي طرف إقليمي بالصعود فوق الحد المسموح به.

لا قرار يُتخذ في المنطقة دون ضوء أخضر من واشنطن، وكافة النزاعات الدائرة تحت أعينها تخدم استراتيجية “الإنهاك المتبادل” للأطراف المتصارعة.

الثمن المستمر

لقد فُرضت على المنطقة معادلة لا فكاك منها إلا بالوعي؛ وهي أن السيادة العربية باتت مُكبلة، وأن “البيادق” التي لا يعلو صوتها إلا على بعضها البعض، تدفع شعوبنا ثمن مغامراتها من دمها واستقرارها.

إن التساؤل عن الثمن الذي يجب أن يدفعه السوريون والفلسطينيون واللبنانيون والسودانيون يظل قائماً، طالما ظلت واشنطن هي “المفوض السامي” الفعلي على مقدراتنا، وطالما ظلت إرادة التغيير غائبة خلف صراعات النفوذ الصغيرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.