بدون ألوان // حمدي صلاح الدين
“حول العالم في 200 يوم” يُعد من أشهر كتب أدب الرحلات في المكتبة العربية، ويُعد أحد أعمال أنيس منصور البارزة في هذا النوع من الأدب.
في هذا الكتاب يروي أنيس منصور رحلته التي استغرقت حوالي 200 يوم حول العالم، مبتدئًا من القاهرة مرورًا بمجموعة كبيرة من الدول تفوق العشرين دولة.
يقدّم أنيس منصور رؤى اجتماعية وثقافية عن الناس الذين قابلهم في رحلته، بأسلوبه الساخر والممتع.
أنيس منصور لم يكتفِ بالسرد الجغرافي فقط، بل كان يغوص في تفكير حول الإنسان والحياة والاختلاف بين الثقافات.
وعرض الكاتب تجارب يومية ولقاءات طريفة، منها مقابلة حصرية مع الدالاي لاما زعيم التبت (الحائز على جائزة نوبل للسلام)، وهي من اللحظات البارزة في الكتاب.
كما تحدّث الكاتب عن تفاصيل عدد من الأماكن: تحدّث عن معالم، وعادات غريبة أو مدهشة بالنسبة له، مثل مقابر، وعادات الطعام، واليوغا، وعبادة الأبقار، وغيرها مما شاهده في الهند وجنوب شرق آسيا وأماكن أخرى.
أسلوب الكاتب كان سلسًا وجذّابًا يمزج بين المعلومات والمعاني الفلسفية، مع لمحات من الفكاهة والدهشة.
داخل ثنايا الكتاب نجد أن أنيس منصور لم ينبهر بالمباني بقدر ما انبهر بطريقة تفكير الناس، ومعتقداتهم، ونظرتهم للحياة والموت، وعلاقتهم بالوقت، والعمل، والروح، والجسد، ففي الهند مثلًا توقّف الكاتب طويلًا عند “الفقر مقابل الرضا، والتأمل واليوغا، وفكرة الزهد والروحانية”.
عقد الكاتب مقارنات ذكية بين الشرق الروحي (الهند، والتبت، والصين) والغرب المادي (أمريكا، وأوروبا)، وكان يطرح سؤالًا متكررًا: “من الأكثر سعادة؟، من الأكثر حرية؟، من الذي يعيش فعلًا؟”
عن الولايات المتحدة تحدّث الكاتب عن سرعة الحياة، وعبودية العمل، والوحدة رغم الرفاه، والإنسان “الناجح المرهق”، وطرح مفارقة لافتة: “لديهم كل شيء… لكن ينقصهم شيء لا يُشترى”.
أشهر محطات الكتاب كانت لقاء الكاتب بالدالاي لاما.
والدالاي لاما هو الزعيم الروحي الأعلى للبوذية التبتية، ويُنظر إليه باعتباره تجسيدًا للرحمة والحكمة في المعتقد البوذي.
التقى الكاتب بالدالاي لاما الرابع عشر، الذي يعيش في المنفى في الهند منذ 1959م، وهو حاصل على جائزة نوبل للسلام (1989).
كان لقاء أنيس منصور بالدالاي لاما يُعد أعمق محطة فكرية في الرحلة، ونقطة تحوّل من “مشاهدة العالم” إلى التأمل في معنى الحياة، تحدّثا عن السعادة؛ فالسعادة لا تأتي من امتلاك الأشياء، بل من السيطرة على الرغبات، وعن الخوف الذي هو صناعة ذهنية… ونحن من نغذّيه، وعن الألم، وعن أن الألم حتمي، لكن المعاناة اختيار.
وصف الكاتب الدالاي لاما بأنه “بسيط وهادئ وضاحك، ولا يتكلم كواعظ بل كإنسان”، وقال الكاتب:
“لم أشعر أنني أمام رجل دين، بل أمام عقل متصالح مع نفسه”.
جرى اللقاء في الهند بعد خروج الدالاي لاما من التبت، المكان بسيط، وهادئ، وبعيد عن أي مظهر رسمي أو فخم، هذه البساطة كانت أول صدمة إيجابية لأنيس منصور.
في محور الخوف ركّز الدالاي لاما على أن الخوف ليس حدثًا بل فكرة متكررة في العقل، فالإنسان يخاف مما حدث، ومما لم يحدث، وربما مما لن يحدث أبدًا، وهنا علّق أنيس منصور: “نحن نعيش نصف أعمارنا في القلق، لا في الواقع”.
في محور المنفى وفقدان الوطن، ورغم فقدان الدالاي لاما للتبت، إلا أنه لا يظهر غضبًا، ولا يحمل كراهية، ولا يدعو للانتقام، هذا الموقف هزّ أنيس منصور، وطرح سؤالًا ضمنيًا: “كيف يخسر الإنسان وطنه… ولا يخسر سلامه”.
وختم الكاتب فصل الدالاي لاما بقوله: “لم يعلّمني الدالاي لاما كيف أغيّر العالم،بل كيف لا يدمّرني العالم من الداخل”.
قال النقاد عن كتاب أنيس منصور:
“لم يعد السفر عند أنيس منصور انتقالًا في المكان، بل انتقالًا في الوعي”.
نقّاد الأدب والصحافة لاحظوا أن أنيس منصور استخدم أدوات الصحفي (الملاحظة – المقارنة – السؤال) مع عقلية الفيلسوف (الدهشة – الشك – التأمل)، لذلك اعتُبروا الكتاب “سهل القراءة، عميق الفكرة، وقريب من القارئ غير المتخصص”.
وتحدّث عدد من النقاد عن غياب التوثيق الصارم داخل الكتاب، حيث لا تواريخ دقيقة، ولا أرقام تفصيلية، ولا ترتيب زمني صارم.
معظم النقاد اتفقوا على أن الكتاب ليس كتاب معلومات، بل كتاب أفكار وتجربة، ويُقيَّم أدبيًا لا إحصائيًا.

Leave a Reply