تراب الشارع

صحيفة الهدف

د.الشيخ فرح

الحاجّة الرَضِيّة امرأة شارفت الثمانين من عمرها، قمحية اللون، بيضاء الشعر، طويلة القوام؛ ينحني ظهرها قليلاً حين تمشي، لكنها تقف مستقيمة العود. لا تخطئ عينك امتلاء جسمها، لكنه لا يصل إلى السمنة المفرطة؛ فتماسكها وطولها البائن خفّفا كثيراً من أثر زيادة وزنها على الرائي.

عاشت الرَضِيّة في بيتها الكبير مع بناتها الأربع وأولادها الاثنين بعد رحيل زوجها. رحل جميع أبنائها وبناتها عن البيت الكبير بعد زواجهم، ولم يبقَ إلّا صفية، أصغر بناتها، في انتظار من يطرق باب قلبها ويرحل بها عن البيت الكبير على حصانه الأبيض.

كان البيت يعجّ بأصوات الصغار من مختلف الأعمار، تتباين سحناتهم وألوانهم، فهم أحفادها من بناتها وأولادها. ما إن تضع إحدى بناتها بنتاً أو ولداً، إلّا ويمرّ في فترة من حياته بالبيت الكبير، وكذلك أولاد أولادها؛ فلا فرق بين الأولاد والأحفاد، إذ لا بدّ أن تمرّ دورة حياتهم بالبيت الكبير، وبالحضن الدافئ لحاجة الرَضِيّة. لا تجد الحاجّة الرَضِيّة صعوبة في إدارة هذه المنظومة المباركة بحذقٍ تامّ وخبرةٍ كبيرة، ويتعاقب الأطفال على هذا الحب الدفّاق جيلاً بعد جيل.

تنادي بمعرفة تامة: محمد، اقفل الماسورة حتى لا تتبلل. أو تصيح في هنادي، أصغر حفيداتها، زاجرة: كملي طعامك ولا ترميه على الأرض.

ما إن تبدأ الشمس في الانحسار حتى ينحسر معها الضجيج وعدد الأطفال في البيت، فتقف الحاجّة الرَضِيّة في منتصف باب البيت تودّع أحدهم: مع السلامة، ما تزعج أمك. وتنادي الآخر: يا محمود، أبوك جاء، لملم حاجاتك. ثم تُغلق الباب مع مغادرة آخر طفل، وتُغلق معه متاعب يوم بدأ مع شروق الشمس وانتهى بمغيبها، في دوران لا يعرف التوقف ولا الراحة. تتمدد على سرير البرندة الطويلة وتغطّ في نومٍ عميقٍ لا يوقظها إلا أذان المغرب أو بنتها صفية، أيهما أقرب.

تقوم الحاجّة الرَضِيّة بكل احتياجات المنزل، وتشتري أغراضها دون مساعدة أو معروف من أحد. وكانت حين يحاول ابن أو ابنة مساعدتها تقول: شكراً جزلاً، لا حاجة لي بأحد، وأتمنى أن أموت بتراب الشارع. لا أحد يدري ماذا تعني بتراب الشارع، ولم يسألها أحد من أولادها أو بناتها عن معنى تراب الشارع، ولا لماذا لا تريد مساعدة من أحد وهي في هذا العمر.

يقول أحد أبناء بناتها إنه لم يرَ إنساناً يحمل قلباً كقلبها، حتى إنه يقول: كانت تستقبلنا صباح كل يوم في الحوش عندما يحضرنا الوالد، وما إن ترانا حتى تأخذني في حضنها الدافئ، وتقبّلني، ثم تشمّ رقبتي وتحت حنكي بصوتٍ مسموع. التفت إليّ قائلاً: هل تعلم أن للجدّة رائحة مميزة؟

هززت رأسي موافقاً، فقال مواصلاً حديثه: كان لديها رائحة مميزة، هي ذلك الخليط من رائحة العطر، ورائحة ثوبها القطني، ثم حرارة، أو قل دفء عرقها، ممزوجة برائحة جسمها الأصلية. كل هذا المزيج الساحر يعطيك تلك الرائحة المعتّقة التي تميّز كل جدة؛ هي رائحة الحنان والعطف، وهي الدفء والطمأنينة والسكون والأمان.

ويقول مثمّناً عطفها: كنت لا أمضغ الطعام وأنا صغير، فكانت جدّتي الرَضِيّة تلوك الطعام حتى يصبح ليناً، ثم تضعه في فمي وتنتظر حتى أبلعه لتعاود الكرّة، وهكذا حتى أشبع.

تعمل بنات الرَضِيّة وأولادها في الدوائر الحكومية، وبعضهم في المدارس، ولا يجدون مكاناً آمناً لأطفالهم أثناء فترة عملهم غير بيت الأسرة، أو البيت الكبير كما يسمونه. وتقوم الحاجّة الرَضِيّة بكل الرعاية، وتعطي دون كلل أو ملل لكل أحفادها حتى يدخلوا الروضة.

تقوم الحاجّة الرَضِيّة بشراء كل احتياجاتها من السوق المجاور، فتراها تمشي بنشاط وهمّة إلى السوق الذي لا يبعد كثيراً عن المنزل. لا تجادل البائعين كثيراً، فهي معروفة للجميع بسعة بالها وقلة حديثها، لا تبخس أحداً حقه؛ سمحة إذا اشترت، وسمحة إذا أعطت، رغم شطارتها في الشراء.

يا علي، البندورة حقت امبارح ما بشتريها لوحدها، لكن ممكن تشايلها بطماطم اليوم. أو تسمعها تناقش مصطفى الجزار بأن لا يضع العظم الكبير مع اللحم: معقول يا مصطفى عظم مع اللحم الصافي؟ أفرمها كيف يعني؟

تملأ القفة الكبيرة ويأخذها الحمّال، فتخبره أنها ستزور بنتها في طريق عودتها، وعليه أن يأخذ القفة ويضعها خلف الباب، وتردف قائلة: ما تنسى تقفل الباب من غنم الفريق. هذا هو روتينها الذي لا يتغير، وما إن يسألها أحد أولادها أو بناتها أن تعيش معه حتى تقول: ما بفارق بيتي إلا بالموت، وإن شاء الله أموت بتراب الشارع.

أتت من السوق في صيف أحد أيام الجمعة، وجلست على الكرسي الكبير في الصالة، ونادت بنتها صفية أن تناولها كأساً من الماء البارد. دنت صفية وهي تمدّ كأس الماء، ولاحظت أن وجه أمها يميل إلى جهة اليمين، فقالت لها: يُمّه، المويه. لاحظت أن يدها لم تتحرك نحو الكأس، وكأنها نائمة. حاولت إيقاظها، لكنها كانت قد فارقت الحياة. نظرت إلى قدميها، فوجدت أن حذاءها وقدميها مغبرتان بتراب الشارع.

#ملف_الهدف_الثقافي #د_الشيخ_فرح #قصة_قصيرة #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.