د.أحمد الليثي
يقول جلال الدين الرومي، في حكمةٍ تُنسب إليه وتُلخّص روحه الصوفية: “لا تهرب من الألم، تألَّم.. حتى تشفى”. ويقول فيودور دوستويفسكي، في عبارةٍ تختصر خبرته القاسية مع البشر والأمكنة: “لا يمكنك أن تشفى في البيئة نفسها التي جعلتك مريضاً”.
ليس في ذلك تناقض، بل مستويان مختلفان للشفاء، يبدوان متعارضين فقط إذا أُخِذا حرفياً.
الرومي لا يدعوك إلى الإقامة في الجرح، بل إلى الدخول إليه بوعي. أن تكفّ عن الركض، أن تُنصت لما يقوله الألم قبل أن يتحوّل إلى صراخٍ أعمى. الألم، عنده، مُعلِّم؛ ومن يفرّ من المُعلِّم يظلّ تلميذاً خائفاً مهما ابتعد.
أمّا دوستويفسكي، فلا يتحدّث عن الألم كتجربةٍ داخلية فحسب، بل عن البيئة: المكان الذي يُعيد إنتاج الجرح كل صباح، العلاقات التي تتغذّى على هشاشتك، والفضاء الذي يُذكّرك باستمرار بأنك أقلّ ممّا أنت. في مثل هذا الفضاء، لا يصبح الصبر حكمة، بل اشتراكاً في إيذاء الذات.
الشفاء، إذن، لا يحدث في خطوةٍ واحدة، بل في مرحلتين متكاملتين: أن تبقى.. حتى تفهم. تبقى لا لتُستنزف، بل لتعرف لماذا يؤلمك هذا تحديداً، وأيّ خوفٍ كان يتخفّى باسم الصبر، وأيّ عادةٍ لبست قناع الفضيلة. ثم أن ترحل.. حتى تحيا. ترحل لا هرباً، بل وفاءً لما تعلّمته. ترحل لأنك لم تعد الشخص ذاته الذي دخل الألم، ولأن الجرح، حين يُفهم، يفقد حقّه في التحكّم بك.
الرومي يعلّمك كيف تواجه الألم، ودوستويفسكي يذكّرك متى تغادر مسرحه. أمّا الحكمة، فليست في التحمّل الدائم، ولا في الرحيل الدائم، بل في التمييز بين الصبر الذي يُنضجك، والصبر الذي يُكسِرك.
ليس كلّ من بقي شُفي، ولا كلّ من رحل كان هارباً. بعضُ الرحيل.. هو الشكلُ الأعلى من التعافي.
#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_الليثي #فلسفة_الشفاء #الرومي #دوستويفسكي #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply