د. حنان الهادي
الكركدي واحدٌ من أكثر المنتجات السودانية حضوراً في وجداننا؛ نعرفه في الوطن، ونحمله معنا نحن السودانيين أينما ذهبنا. يُصنع منه مشروب الكركدي، أو (الأنقارا) و(الشيرية) عندما يُشرب ساخناً، وله حضورٌ خاصٌّ ومميّز في شهر رمضان، كأنه جزءٌ من طقوسه وروحه.
بالنسبة لي، رمضان بلا كركدي ليس مجرّد غياب مشروب، بل إحساسٌ حقيقيٌّ بالفقد. انفصال الكركدي عن رمضان يعني معاناةً لي ولأسرتي الصغيرة.
غادرتُ الوطن في العام 2023 مُرغَمةً بسبب الحـ.رب، لكن الكركدي ظلّ حاضراً.. ما بقي رمضان. كنتُ أبحث عنه كل عام في أغلى (السوبر ماركت) الألمانية، تلك التي تعرض منتجاتٍ عضوية خالية من الكيماويات، أو منتجات أُنتجت وفق مبادئ التجارة العادلة التي تراعي حقوق المنتجين الإنسانية والاجتماعية، وتحترم الأرض بيئياً، وتلتزم بقوانين صارمة: من حماية الأطفال، إلى شروط العمل العادل، إلى الاستدامة البيئية.
منتجات تحمل شهادات عالمية معروفة: التجارة العادلة، الزراعة العضوية، وشهادات الغابات المطيرة. قد تكون قادمة من نيجيريا، أو غواتيمالا، أو المكسيك، أو حتى السودان.. ثم تُعاد معالجتها وتنظيفها وتصنيفها وتغليفها في عبوات أنيقة تحمل علامات تجارية عالمية، بعد سلسلة طويلة من المعالجات الفيزيائية والرقابية.
لكن قصة اليوم، والسبب الحقيقي لهذا البوست، مختلفة تماماً.
وصلني طرد رمضان من شقيقاتي البعيدات في دول النزوح، القريبات من القلب. وكان الكركدي حاضراً، يتقدّم بلّيلة العدسية، وبلّيلة القمح، والحلومر. وأنا أرتّب المنتجات في العلب استعداداً لوضعها في الدولاب، بدأت الحكاية.
كلما فرّغتُ جزءاً من الكركدي، ظهرت لي قشرة فولة.. ثم قرون كاملة من السمسم.. ثم قطع صغيرة من الفحم.. ثم كتل من رمال كردفان الذهبية، وبعض الشوائب النباتية الأخرى التي أعرفها جيداً، لا لأنها شوائب، بل لأنها علامات. علامات أرض، وذاكرة، وحياة.
بحكم عملي لسنوات مع المنتجين، وارتباطي العميق بهذا الجزء العزيز من الأرض، كنتُ أعرف كل ما أراه. وكلما وجدتُ جسماً “غريباً” في الكركدي، زادت قناعتي أنه مميّز.. أنه مختلف عن أي كركدي عرفته من قبل.
إنه كركدي كردفان. بلا شهادات. بلا عمليات تجميل. بلا تغليف أنيق. لكنه يحمل ما هو أعمق من كل ذلك: يحمل نكهة الوطن، وذاكرة الأرض.
#ملف_الهدف_الثقافي #د_حنان_الهادي #الكركدي #ذاكرة_الوطن #كردفان #صحيفة_الهدف #السودان

Leave a Reply