مرايا.. حديثٌ مع الظلّ

صحيفة الهدف

منتصر منصور

لم تعُد تعجبه تلك النظرة في المرايا صباحاً، ولا لوعة حديثٍ ليليٍّ منها في المساء..

قلت له: أناجيك ولا أُصِيح لك. تسهر مثل الخلق، تُخاصم ولا تبصق لهفتك، ولا أملَ يجرُّ جسدك للطريق والنشوة. تضيق أمامك الحياة، ولا فسحة في عقلك للعناق. تنبش الذكريات وتردم ترابها، ولا تبني منه صرحاً، تتركه غباراً للحياة، ولا تغطّي وجهك في الحلم..

في عمرٍ مبكر، كنتَ تُركِّب الصور على أمانيك: لاعبو كرة قدم، ممثلون، أغانٍ حائرة. تُلقي يأسك للحياة ولم تُصدِّق فجراً. ظلّك يهبط قبل الأمسيات. أنتَ ملك روحك المتوَّج، مثل الغريب الذي صار عمدة وسط أغراب في حيٍّ بسطه الرمل، ولم تُخضِر بجانبه الحياة إلا في الخيام والقطاطي..

هل سيجري نهر أم ستنمو غابة؟ لماذا لم تعد تغنّي؟ أذناك تهفوان للبعيد، هل غطّيتهما بطينةٍ وعجينة؟ لم تعد تضحك لدرجة أن يستلقي في قلبك طفل صغير. هل ستكتب قصة صغيرة عن الجلجلة؟

“كان في قريةٍ ما شيخٌ لا يضحك، فراهنوا بعضهم: إن أضحكوه نالوا بقرة. وعندما يئسوا منه، ذبحوا بقرته، وضربه المجنون بعظمٍ فابتسم”. يا لهم من لصوص باللطافة! لكنك خِلتَ أنه حدّثهم عن سبب موته! لو كان ميتاً تماماً لكان هناك قـ.اتل. الموت، يا صديقي، بسبب أو بدونه هو الموت. لكن القصة لم تصنع جريمة، بالتالي لم يلمس أحد الجثة لأنها ستلعنه، أي إن الشيخ سيلعنهم..

أنت مثل الساقي الذي يصيح برنين أكوابه منتظراً النهر الجاري بقلب الجنة. كان سيغرف الخمر كله ويسقيه للناس. هذه محض أحلام رثّة للبروليتاريا، لن تصير، ولو لعب الذئب مع الماعز، وسار المسافر من الخرطوم إلى صنعاء لا يخشى الله ولا الجـ.نجويد، لأنهم أصلاً “بهناك”.

هذه أمور تافهة، دعني أقول لك ذلك. لو سمّينا الأشياء بمسمياتها سيخرج السهم الذي نكره. فإن سميت السياسي بالمتزلف الواعي، سيجد السياسي نفسه وقد أنفق مصطلحاته على بعض الرعاع الذين قفزوا للسلطة بالسلاح سمساراً، وذلك يخشى الوغى ولا يعفّ عند المغنم..

أنت لم تجرؤ على تمزيق الصورة في خيالك. من قبل مزّقت صور رجال دين كثيرين، هذا إذا أقنعت مغنية أن تهز جسدها بمسألة الحجاب، أو الأقرع بالحلاقة. وعلى ذكر التشظي، كان الرجل الذي قفز بالسمبك شاباً صغيراً يمارس البيع بالتجزئة، ولم يهتم بشجب المجتمع الدولي ومجلس الأمن لـ حـ.رق قرية في دارفور. وحين لم يغرق في اليمّ، أو يلتقمه حوت، أو يُكتب عنه ليومٍ كامل في الوسائط، صار لا يكتفي بإدانة الأوضاع في إيران، ويتضامن مع أصحاب قوس قزح..

هل تعني أنه سبح بفراغه من الحياة؟ نعم، ليغرق في تفاهتها من أجل لقمة عيش وزجاجة براندي.. هذا تحسّس أجوف. لقد فرغنا من تحسّس الحياة: تحسّس الحبيبات، وتحسّس الحكومة. ورغم أن أعصابنا تتماهى قليلاً وتسكن للجانب اللين، لم نقدر على الهرب من الأعطاب..

ولم تُجرّبوا الركل على مؤخرة النظام؟ أنت تضحكني! لقد ركلناه، راوغنا بمؤخرته المؤلمة، ولا نزال نركل. وربما للأمر علاقة بالمـ.خدر الموضعي، وربما المـ.خدرات عموماً. هل تظن أن للأمر علاقة بأمريكا؟

في لحظة يأس عليك أن تفتح جراح “عليماً كريماً”، ما لم تعتصر القلب وهدة ضياع، أو لهجة موتورة، أو دوخة مستغرقة، كجسد أنثى “نام من الدوخة”، مثل تمثال حجري متكوّم، ينتظر لذّته بالمعافرة..

هل تعرف الغابة المتحجرة التي تحوّل فيها الشجر إلى أحجار (فوسيلز)؟ قالوا إن بعض المسوخ تعيش فيها، من لدن حكّام السودان الأوائل، وربما صيّادي الغفلة من الثروات قبل أن تُعلّق المشانق، والباعة الضاجّين في السوق العربي، واللصوص باردي الإحساس المصابين بلعنة ما يسمونه ممارسة الحياة بميكافيلية. ولا ألومهم، لكن البعض يخشى السواطير.. هؤلاء ليسوا لصوصاً، بل (همباتة) برعاية الباب العالي.

هل هرمون الأدرينالين يرتفع بعد المسغبة؟ توقّف عن الدوران لمدة شهر، ستكتشف أنك غابة متحجرة صغيرة. أنت نظام آخر، لكنه يُخفي مؤخرته من الركل، ولعله أهون من لسان حماتك..

هل تشعر بالسرحان أحياناً؟ لم أفقد شهيتي للحياة بعد. وإن فقدت عزيزاً لن تفقد النوم. النوم سلوى إلهية لها سلطان. ولك أن تتخيّل عدد الملائكة التي تحوم حول المستلقي بصبابته وهدوئه؛ كلهم نزلوا لأجلك، مثل المطر، ومع المطر..

قبل أسبوع من مواراتها الثرى، كنتُ في حضن أنثى تتعرّق كما تبكي. هو الماء حافراً عن حافر، يا صديقي، والثرى جسد يفقد بعضه ويحيا بالتلامس.. هل يشع؟ بل يشيع السكينة، الأغنيات، وعدم ركل أعضائه الداخلية.

ما هو أفضل شيء تفعله لتجعل هذا المنطوي جسدياً عالماً أصغر؟ لم أصبح بتلك الهدأة، هذا إذا أسلمت أذني للحكايا، لجلسات القهوة، لأنفاس القصيد، للأطعمة الخالية من السموم، والهواء الخالي من الأوبئة والجراثيم، والمـ.خدرات والعقاقير. في النهاية ستغدو شخصاً طويل القامة، ينحني قليلاً، يحمل ذقناً بيضاء، وعلى خدّيه مسحة من الخجل، بلوعة حديثٍ ليليٍّ. قد تعجبه النظرة في المرايا، فلا يركل الشخص المشابه له.

#ملف_الهدف_الثقافي #منتصر_منصور #مرايا #صحيفة_الهدف #السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.