في كل مرة تُفتح فيها أبواب معارض الكتاب، لا يكون الحدث مجرد تجمعٍ للورق والحبر، بل هو استدعاءٌ صريح لدورٍ قديم متجدد: أن يكون الكتاب وسيطاً نبيلاً بين الإنسان وأسئلته الكبرى. فمعارض الكتاب، منذ نشأتها، لعبت دوراً فاعلاً في نشر وتداول إبداعات المبدعين من قصص وروايات ومذكرات وكتب فكرية وعلمية، عابرةً حدود الجغرافيا واللغة، ومؤكدة أن المعرفة لا تعترف بالعزلة ولا تزدهر إلا في فضاء التداول والحوار. إنها مواسم للقاء العقول، ومرافئ آمنة للأفكار في زمن تعصف به الضوضاء.
ويأتي معرض القاهرة الدولي للكتاب في طليعة هذه المواسم، لا بوصفه تظاهرة ثقافية فحسب، بل باعتباره أحد أعمدة المشهد الثقافي العربي منذ ستينيات القرن الماضي. فقد ظل المعرض، عبر دوراته المتعاقبة، مرآة لتحولات الفكر العربي، ومنصة كبرى لاختبار الأسئلة الجديدة، وفضاءً رحباً لتلاقي المدارس والتيارات، من أقصى المشرق إلى مغارب الحرف. في القاهرة، المدينة التي تعلّمت أن تحفظ الذاكرة وتجادل المستقبل، اكتسب المعرض رمزيته بوصفه موعداً سنوياً لاختبار نبض الثقافة العربية.
وتتجلى أهمية المعرض كذلك في كونه فرصة نادرة لمشاركة دور النشر العربية، واغتنام لحظة الملاقاة والتلاقح بين الناشرين والكتاب والقراء. هنا تتوسع المدارك، وتُعقد الشراكات، وتولد مشاريع فكرية جديدة، ويكتشف المهتمون بالكتابة في الوطن العربي أن الكتابة فعل جماعي، لا يكتمل إلا بالحوار والتبادل والانفتاح على تجارب الآخرين.
وفي هذا السياق، يبرز الغياب المؤلم لمعرض الخرطوم الدولي للكتاب طوال السنوات الثلاث الماضية، بوصفه صرخةً ضد الصمت الذي تفرضه الحـ.رب، ودعوةً ملحّة من أجل السلام، وعودة الحياة إلى طبيعتها في أرض النيلين. إن غياب هذا الموعد الثقافي العريق لا يمثل توقف فعالية فحسب، بل يكشف مقدار ما خسرته الذاكرة الجمعية حين أُجبرت الثقافة على التواري خلف أزيز السلاح.
ولعل المشاركة السودانية هذا العام تكتسب دلالة خاصة، في ظل ظروف الحـ.رب القاسية التي تثقل كاهل البلاد. فحضور دور النشر السودانية والكتاب السودانيين في معرض القاهرة ليس مجرد مشاركة مهنية، بل هو إعلان صريح بأن الثقافة ترفض الانكسار، وأن الكتاب قادر، حتى في أزمنة الشدة، على أن يكون صوتاً للحياة ومجالاً للأمل، وجسراً يعبر به السودانيون إلى فضاء عربي أرحب.
ولا يكتمل مشهد المعرض دون التوقف عند الفعاليات المصاحبة من ندوات فكرية، وأمسيات أدبية، ولقاءات توقيع، وحوارات مفتوحة، تجعل من المعرض مهرجاناً للأسئلة لا سوقاً للكتب فقط، وتعيد للثقافة بعدها التفاعلي الحي.
ويبقى السؤال الحكيم معلقاً في ختام هذا المشهد: هل سيصمد الكتاب، بشكله الكلاسيكي، أمام عصف الثورة الرقمية وتمدد الذكاء الاصطناعي؟ أم أن الكتاب، كما خبرناه عبر القرون، سيجد دائماً طريقه إلى التكيّف، محتفظاً بجوهره بوصفه أعمق تجليات العقل الإنساني؟ سؤال نطرحه لا لنحسمه، بل لنؤكد أن مستقبل الكتاب، كما ماضيه، يُكتب دائماً في حضرة القارئ.
#ملف_الهدف_الثقافي #كلمة_العدد #معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب
#معرض_القاهرة_الدولي_للإصدارات_المسرحية_السودانية #ذاكرة_الكتاب #لا_للحـ.رب #السودان #صحيفة_الهدف

Leave a Reply