(رأيتُ ما لا يجوز لك): البوح مستحيلٌ.. والكتمان هلاكٌ!

صحيفة الهدف

عاطف محمد عبد المجيد – شاعر ومترجم مصري

ليس مهمًّا كمّ الأعمال التي يتركها الكاتب، بل الأهم قيمتها وحجم تأثيرها في التاريخ الإنساني، حتى وإن قلّ عددها. كم خلّد التاريخ كُتّابًا لم يتركوا سوى نصٍّ واحد أو كتابٍ واحد، لكنه كان فارقًا وجيّدًا، فيما لم يُلتفت إلى كثيرين خلّفوا عشرات الأعمال دون أن يكون بينها نصٌّ يتيم ذو قيمة حقيقية.

يفتتح الروائي طارق الطيب، المولود في القاهرة والمقيم في النمسا، روايته الأحدث (رأيتُ ما لا يجوز لك)، الصادرة مطلع هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية للنشر والتوزيع، بعبارة: “كلُّ من في الجبّانة خالدٌ، حتى يخرج إلى الحياة فيموت”. في إشارةٍ إلى أن الحياة على الأرض معادلٌ للموت والفناء، بينما يكون الخلود الأبدي في مكانٍ وزمانٍ آخرين. ومنذ هذا الاستهلال، يطرح الطيب جملةً من التساؤلات الوجودية المتصلة بعالم الواقع المعيش والعالم الآخر الذي ينتظر الإنسان: هل الحياة الدنيا مجرد عبث؟ ما المغزى من حياة دنيوية طويلة؟ وهل الهازل العابث فيها هو الأكثر فطنة؟ ومن الجاهل الأخرق: أهو الميت في الحياة أم العائش في الموت؟ كما يتساءل الراوي عن المكان الذي يمكن أن يتّسع لملايين البشر الذين وُلدوا منذ الأزل.

من خلال العالم الروائي الممتد بين الحياة والموت، يناقش طارق الطيب عددًا من القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها العلاقة الأسرية، متوقفًا عند أحوال شريكي الحياة وظروفهما. وينحاز إلى الإنسان الذي يحوّل المرض مسار حياته إلى وجهات أخرى، متسائلًا: لِمَ نسمّي الزهايمر مرضًا؟ أليس من الممكن أن يكون نوعًا من تحرّر الروح، وخلاصًا تدريجيًا من سجن الجسد عبر إهمال أهم أجزائه: الذاكرة؟ لعلّه حيلة للتحليق بعيدًا عن العقل نحو دنيا أجمل تشبه مراعي الطفولة.

كما تنحاز الرواية إلى المرأة، مقدّرة نُبلها في علاقتها الزوجية، سواء أثناء الزواج أو بعد الانفصال، بينما يرى الراوي أن أغلب الرجال لا يميلون، بعد الفراق، إلا إلى تذكّر كل ما هو سيّئ في علاقاتهم السابقة. وتشير الرواية كذلك إلى أن الإنسان يمكنه، بالتدريب المثابر، أن يستلهم من أرواح السابقين بصيرتهم وفطنتهم.

ينقلنا الكاتب بسلاسة من الواقعي إلى المتخيَّل، ومن الحياة قبل الموت إلى الحياة بعده، ومن العيش فوق الأرض إلى الإقامة في المقابر، جاعلًا قارئه على أهبة التوقّع لكل المفاجآت الممكنة في هذا العالم العجيب. وترى الرواية أن الإنسان قد يضطر إلى الاحتماء بأروقة الأحلام كي يتحرّر من القيود التي فرضها عليه الواقع، متخذًا من الخيال بديلًا آمنًا للعيش كما يشاء، هربًا من واقع محبط وخانق ومدمّر نفسيًا وحياتيًا.

وتطرح الرواية سؤالًا مركزيًا: هل المعرفة ألم أم خلاص؟ إذ ترى أن الحياة قد تتحوّل أحيانًا إلى مجرد حلم أو كابوس، وأن الذاكرة عبءٌ مؤلم للعاقل، بينما يغيب ألمها عمّن غاب عنه عقله. وهي دعوة إلى التمهّل وتأمّل العالم من حولنا، ورصد المأزق الإنساني حين يصبح البوح مستحيلًا، والكتمان هلاكًا. وتشير إلى أن من أشقّ ما يبتلى به الإنسان شغفٌ بحبيبٍ يستحيل نيله، والأصعب أنه لا يملك القدرة على كبح هذا الشغف، ولا الجرأة على البوح به.

وفي سعيها للإجابة عن سؤال: كيف يكون الحال بعد الموت؟ تلمّح الرواية إلى أنه إذا لم يكن بالإمكان ترميم ذاكرة مهترئة أو رتقها، فلنمزح إذن مع الوقت، ونسخر من الزمن الذي يسخر منا. وتضعنا أمام حيرة الروائي بين التنازل عن الحياة الدنيا خارج المقابر، والخلود إلى حياة البرزخ العجيبة، أو القبول بموت الداخل للالتقاء بالأحباب الذين غادروا، انتظارًا لوصول الأحباب اللاحقين. وتختصر الرواية رحلة الحياة كلّها في عبارة واحدة كثيفة الدلالة: “لم أعد أتذكّر أين كنت قبل الدخول، ولا عرفت أين أنا!”.

#ملف_الهدف_الثقافي #طارق_الطيب #رواية #نقد_أدبي #عاطف_عبد_المجيد #أدب_المهجر #السودان #مصر #النمسا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.