د.مصطفى العميري
بدأت الحكاية في رابطة الطلبة السودانيين بالوزيرية، والوزيرية من الأحياء العتيقة في بغداد؛ حيٌّ يعرف الوجوه قبل أسمائها، وتتحفّظ جدرانه أسرار الذين مرّوا ثم لم يعودوا كما كانوا.
ظهرت بين ضحكاتٍ متعبة وأغنيةٍ لم تكتمل، كأنها جاءت متأخرة عن موعدٍ لا يعرفه سواها. جلس حولها شعراء وعابرون، وفي عيونهم شيء يشبه الخوف حين يقترب المعنى. قال أحدهم وهو يراقب خطواتها: “هذه لا تمشي.. هذه تتذكّر”.
لم تأتِ من ولادةٍ واضحة، ولا حملها زمنٌ يمكن الإمساك به. بدت كأنها انفلتت من فجوةٍ بين الغياب والذاكرة، من مكانٍ يتحدّث فيه الصمت مع نفسه، ويتعلّم الهواء كيف يحكي دون صوت.
حين لامست الأرض أول مرة، لم تكن خطواتها مشيًا، بل استدعاءً. كأن الأرض تذكّرت شيئًا قديمًا عند مرورها، واهتزّ حولها كل ما كان نائمًا: الريح، والحنين، والدموع التي لم تجد سببًا بعد. رائحتها لم تكن عطرًا، بل أثرَ زمنٍ لم يحدث، وشوقًا لشيءٍ لم يُعَش.
ملامحها تجمع طفلةً تصادق الفجر، وامرأةً تعرف أن القلوب لا تخرج من لقائها كما دخلت. لم تكن امرأةً فحسب؛ كانت حالة.. طقسًا عابرًا لا يُمارَس، بل يُصاب به. تشبه النحلة، لا لأنها تجمع الرحيق، بل لأنها لا تأخذ دون أن تترك أثرًا. تمرّ، تلمس، وتغيب، وتخلّف وراءها أسئلةً لا تشفى.
امتدّ حضورها إلى نادي الإعلام، كخبرٍ لم يُسمح له بالبث. تجلس قرب نافذة، تشعل سيجارة، وتبتسم حين تُذكَر الح.رب، كمن يبتسم لجرحٍ تعلّم الصبر. مرّت أمام جمعية المصوّرين العراقيين، فارتبكت العدسات. قال مصوّرٌ عجوز: “بعض الوجوه تُصوَّر، وبعضها يُصوّرك دون كاميرا”.
في سكرتارية الطلبة العرب، اختلفوا حولها كما يختلفون حول المعنى: هل هي امرأة؟ أم تجربة؟ هل تحب؟ أم تعيد تشكيل الكسور داخل من يقترب؟ أحيانًا تظهر في الكافتيريا الخضراء، قرب شجرةٍ يابسة، تكتب على منديل، ثم تمزّقه بهدوء، كأنها تعتذر لفكرةٍ لا يجوز ولادتها. أحدهم أقسم أنه رآها تمشي تحت المطر دون أن يبتلّ ثوبها.
دخل حياتها رجلٌ ظنّ أن الصلابة تحمي. بنى حول قلبه أسوارًا من العقل. لكن حين لامست يده، انحنى داخله كل ما كان واقفًا. قالت له، وهي تضحك: “القوّة لا تُنقذ الحب، هي فقط تغيّر شكله”. ومنذ تلك الليلة، صار يتجوّل في الوزيرية كظلٍّ يبحث عن صاحبه.
الشاعر رآها قصيدةً لم تُكتب. كتب كثيرًا، ثم مزّق كل شيء، وترك سطرًا واحدًا: “من يصف الطريق.. يضيع فيه”.. بعد غيابه، صار صوته يُسمَع ليلًا، كأن الكلمات تعلّمت السكن في الجدران.
أما الحالم، فكان أنقاهم. ظنّ أن الحب يُنقذ. بكى، فضحكت. وقالت له بهدوءٍ موجع: “الطيور لا تطير.. هي فقط تسقط بثقة”.. وفي صباحٍ رمادي، مشى قرب دجلة، خفيفًا، كأن جسده قرر أن يصير هواءً.
وهي؟ بقيت. بين الأزقّة، بين الوجوه التي اشتعلت ثم خبت. تجمعهم داخلها كشموعٍ تُضاء لتعلّم الظلام شكله. وتهمس: “أنا لا أحب.. أنا أُعيد ترتيب ما يقترب”. وفي آخر الليل، حين تصمت الوزيرية، وتُطفأ أسماء الشوارع، تغادر دون أثر.
وفي الصباح، حين يسأل الناس: أين ذهبت؟ تبتسم بغداد، وتقول لنفسها فقط: “لم ترحل.. كانت امرأةً في طقس النار، ونحن من اقترب.. واحترق”.
#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_العميري #بغداد #الوزيرية #ذاكرة #قصص #السودانيون_في_العراق #أدب

Leave a Reply